والوارد الإلهى لا يجد له معارضة في النفس البشرية ، وقد أوحى اللّه ليوسف ما يؤنس وحشته « 1 » حين ألقاه إخوته في الجبّ الذي ابتعد فيه عن حنان أبيه وأنسه بأخيه ، ومفارقته لبلده التي درج « 2 » فيها وأنسه بالبيئة التي اعتاد عليها .
فكان لا بدّ أن تعطيه السماء دليلا على أن ما حدث له ليس جفوة لك يا يوسف ؛ لكنه إعداد لك لتقابل أمرا أهمّ من الذي كنت فيه ؛ وأن غرماءك - وهم إخوتك - سوف يضطّرون لدقّ بابك ذات يوم يطلبون عونك ، ويطلبون منك أقواتهم ، وستعرفهم أنت دون أن يعرفوك .
هذا من جهة يوسف ؛ وجهة الجبّ الذي ألقوه فيه ، وبقي أن تعالج القصة أمر الإخوة مع الأب ، فيقول الحق سبحانه بعد ذلك :
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ
وهنا تتجلى لنا قدرة أداء القرآن أداء دقيقا معبرا عن الانفعالات التي توجد في النفس الإنسانية ، فها هم إخوة خدعوا أباهم ومكروا
هامش
( 1 ) ومما ورد في هذا ما نقله القرطبي في تفسيره ( 4 / 3465 ) : « قال الضحاك : نزل جبريل عليه السلام على يوسف وهو في الجب فقال له : ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن عجل اللّه لك خروجك من هذا الجب ؟ فقال : نعم . فقال له : قل يا صانع كل مصنوع ، ويا جابر كل كسير ، ويا شاهد كل نجوى ، ويا حاضر كل ملأ ، ويا مفرج كل كربة ، ويا صاحب كل غريب ، ويا مؤنس كل وحيد ، ايتني بالفرج والرجاء ، واقذف رجاءك في قلبي حتى لا أرجو أحدا سواك .
فرددها يوسف في ليلته مرارا ، فأخرجه اللّه في صبيحة يومه ذلك من الجبّ » .
( 2 ) يقال للصبي إذا دبّ وأخذ في الحركة : درج . ودرج الشيخ والصبى يدرج فهو دارج :
مشيا مشيا ضعيفا ودبّا . [ لسان العرب - مادة : درج ] .