ففطن عمر رضى اللّه عنه إلى أن الأمر هو التزام عقدىّ وتكليفي ؛ وفهم أن المطلوب هو حبّ العقل ؛ لا حب العاطفة .
وحب العقل - كما نعلم - هو أن تبصر الأمر النافع وتفعله ؛ مثلما تأخذ الدواء المرّ ؛ وأنت تفعل ذلك بحبّ عقلي ؛ رغبة منك في أن يأذن الحق بالشفاء .
والمسلم يحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعقله ؛ لأنه يعلم أنه لولا مجىء رسول اللّه لما عرف حلاوة الإيمان ، وقد يتسامى « 1 » المسلم في حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أن يصير حب الرسول في قلبه حبا عاطفيا .
وهكذا نرى أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه قد أوضح لنا الخطوط الفاصلة بين مبادئ الحب العقلي والحب العاطفى .
والمثال الآخر من سيرة عمر رضى اللّه عنه في نفس المسألة ؛ حب العقل وحب العاطفة ؛ حين مرّ عليه قاتل أخيه ؛ فقال واحد ممّن يجلسون معه : هذا قاتل أخيك . فقال عمر : وماذا أفعل به وقد هداه اللّه للإسلام ؟
وصرف عمر وجهه بعيدا عن قاتل أخيه ؛ فجاء القاتل إليه قائلا :
لماذا تزوى وجهك عنى ؟ قال عمر : لأنّى لا أحبك ، فأنت قاتل أخي . فقال الرجل : أو يمنعني عدم حبك لي من أىّ حق من حقوقى ؟ قال عمر : لا . فقال الرجل : « لك أن تحب من تريد ، وتكره من تريد ، ولا يبكى على الحب إلا النساء » .
وكان على إخوة يوسف أن ينتبهوا إلى أن حب والدهم ليوسف
هامش
( 1 ) السمو : الارتفاع والعلو . سما الشئ يسمو سموا : ارتفع . وتساموا : تباروا .
وتساميها : تباريها وتفاخرها . والتسامى : الرّفعة والارتقاء . [ لسان العرب - مادة :
سما ] بتصرف .