تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 6724

مساهمون:

ص٦٧٢٤
بالحكم ؛ لأن آفة الإنسان أن الأمور التي تمر به من المرائي والمدركات ، تتوالى وتصير الأشياء التي في بؤرة « 1 » الشعور إلى حاشية الشعور ، فيغفل الإنسان عما صار في حاشية الشعور ، ولا بد من مجىء معنى جديد ليذكّر بما غاب في حاشية الشعور . ومثال ذلك : إنك إذا ألقيت حجرا في بحر ، فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من المياه ، وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفى من رؤية الإنسان ، ودليل ذلك أنك قد تتذكر أحداثا مرت عليك من عشرين عاما أو أكثر ، هذه الأحداث كانت موجودة في حاشية الشعور ، ثم جاء لك ما ينبهك إليها . والمخ كآلة التصوير الفوتوغرافية يلتقط أحيانا من مرة واحدة ، وأحيانا من مرتين ، أو أكثر ، والالتقاط من أول مرة إنما يتم لأن المخ في تلك اللحظة كان خاليا من الخواطر . ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم اللّه سبحانه عليهم بنعمة أخرى ، هي قدرتهم الكبيرة على حفظ العلم ؛ لأنه حين يسمع الكفيف العلم لا تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة الشعور ، أما المبصر ، فقد تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه ، فيسمع العلم لأكثر من مرة إلى أن يصادف العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها . وهكذا تفعل الذكرى ؛ لأنها تستدعى ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور ، فإذا انشغلت عن طاعة وذهبت إلى معصية ، فالذكرى توضح لك آفاق المسؤولية التي تتبع المعصية ، وهي العقاب .
هامش
( 1 ) بؤرة الشئ : مركزه ، أو وسطه . وبؤرة الشعور : مركزه ، أي : داخل مركز الإحساس والشعور ( الإدراك ) في المخ . والبؤرة في اللغة : الحفرة ، وهي مأخوذة من البئر . أما البؤرة في « علم الطبيعة » فهي نقطة تتلاقى أو تتفرق عندها الأشعة الضوئية أو الحرارية أو الصوتية ، إذا لم يعترض دونها شئ . [ المعجم الوسيط : مادة ( بأر ) بتصرف وإضافة ] .
تفسير الشعراوى — صفحة 6724 | محمد متولي الشعراوي