والنهى عن الإسراف هنا ؛ ليعصمنا الحق سبحانه من لحظة نتذكر فيها كثرة ما حصدنا ، ولكننا لا نجد ما نقيم به الأود « 1 » فقد يسرف الإنسان لحظة الحصاد لكثرة ما عنده ، ثم تأتى له ظروف صعبة فيقول :
« يا ليتني لم أعط » . وهكذا يعصمنا الحق سبحانه من هذا الموقف .
ويقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « سدّدوا « 2 » وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة ، وأن أحب الأعمال أدومها إلى اللّه وإن قل » « 3 » ؛ لأن الدين قوى متين « 4 » ، و « لن يشاد الدين أحد إلا غلبه » « 5 » .
وهكذا نجد الحق سبحانه ونجد رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أعلم بنا ، واللّه لا يريد منا عدم الطغيان من ناحية المحرمات فقط ، بل من ناحية الحلّ أيضا ، فيوصينا سبحانه بالرفق واللين والهوادة ، وأن يجعل الإنسان لنفسه مكنة الاختيار .
ومثال ذلك : أن يلزم الإنسان نفسه بعشرين ركعة كل ليلة ، وهو يلزم نفسه بذلك نذرا لله تعالى في ساعة صفاء ، لكنه حين يبدأ في مزاولة ذلك القدر يكتشف صعوبته ، فتكرهه نفسه .
هامش
( 1 ) الأود : أي ما يكون قوتا ضروريا له ، فتقوم به حياته .
( 2 ) سد الشئ سدادا وسدودا : استقام . يقال : سد السهم . وسد فلان : أصاب قوله وفعله . وسد قوله وفعله : استقام وأصاب ، فهو سديد . والسداد : الاستقامة والقصد ، والصواب من القول والفعل .
[ المعجم الوسيط : مادة ( سدد ) بتصرف ] .
( 3 ) متفق عليه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 6463 ) ومسلم في صحيحه ( 2816 ) عن أبي هريرة .
( 4 ) عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق » أخرجه أحمد في مسنده ( 3 / 199 ) .
( 5 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ، فسددوا وقاربوا وأبشروا ويسروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدلجة » أخرجه النسائي في سننه ( 8 / 122 ) .