في السماء ، أما موضعه الذي في الأرض ؛ فمصلّاه ، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله » « 1 » .
لأن موضعه الذي كان يصلى فيه ؛ يحرم من أن واحدا كان يصلى فيه ، وأما موضعه الذي كان يصعد منه عمله ؛ فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح .
فإن أردت بالصلاة الدين ؛ وهي رمز الدين ؛ فللصلاة أمر هو نفس أمر الدين ، وهي الأمر بالإيمان الحق ، لأن الإيمان المقلد لا نفع له .
إذن : فقد أراد أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم ؛ وتساءلوا :
أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا . .
( 87 ) [ هود ]
وهذا القول يحمل أيضا ردهم على دعوته لهم ألّا يعبدوا غير اللّه ؛ فلا إله غيره ؛ وردوا كذلك على دعوته لهم ألّا ينقصوا الكيل والميزان ؛ وألّا يبخسوا « 2 » الناس أشياءهم ؛ وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند اللّه هو الخير لهم ، وألا يعثوا « 3 » في الأرض مفسدين .
وقالوا : أتنهانا أيضا عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء ؟ وكأنهم قد عميت بصيرتهم ؛ لأنهم إن أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون ؛
هامش
( 1 ) أورده ابن كثير في تفسيره ( 4 / 142 ) وعزاه لابن أبي حاتم أن عباد بن عبد اللّه قال : سأل رجل عليّا رضى اللّه عنه : هل تبكى السماء والأرض على أحد ؟ فقال له : لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد قبلك ، إنه ليس من عبد إلا له مصلّى في الأرض ومصعد عمله من السماء ، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء ، ثم قرأ على رضى اللّه عنه :فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ( 29 ) [ الدخان ] .
( 2 ) بخسه حقه بخسا : نقصه حقه ولم يوفه . قال تعالى :وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ . .( 85 ) [ هود ] .
[ القاموس القويم 1 / 56 ] .
( 3 ) عثا يعثو : أفسد أشد الإفساد . قال تعالى :. . وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ( 60 ) [ البقرة ] ، فكونهم لا يوفون المكيال ولا الميزان بل يخسرونه ، ويبخسون الناس أشياءهم هذا هو قمة الإفساد في الأرض .