وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السماوات والأرض على قوم فرعون ؛ ففي المقابل فلا بد أنها تبكى على قوم آخرين « 1 » ؛ لأن السماوات والأرض من المسخّرات للتسبيح ، وقال الحق سبحانه عنهما :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ
« 2 »
عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها . .
( 72 ) [ الأحزاب ]
وبهذا القول اختارت كل من السماوات والأرض مكانة الكائنات المسبّحة ، مصداقا لقول الحق سبحانه :
وَإِنْ
« 3 »
مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ . .
( 44 ) [ الإسراء ]
فإذا رأت السماوات والأرض إنسانا مسبّحا ؛ فلا بد أن تحبه ، وإن رأت إنسانا كافرا ، معاندا ؛ فلا بد أن تكرهه .
وما دامت السماوات والأرض لم تبك على قوم فرعون ؛ فذلك لأنهم ضالون ؛ لأنها لا تبكى إلا على المهديين .
وقد حلّ لنا الإمام علي بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - هذه المسألة ؛ فقال : « إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان : موضع في الأرض ، وموضع
هامش
( 1 ) عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما من عبد إلا وله في السماء بابان : باب يخرج منه رزقه ، وباب يدخل منه عمله وكلامه فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآيةفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ . .( 29 ) [ الدخان ] - وذكر - أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكى عليهم ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكى عليهم » .
( 2 ) الأمانة : مصدر أمن فهو أمين ، وتطلق الأمانة على الوديعة نفسها . قال تعالى :إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها . .( 58 ) [ النساء ] أي : الودائع . وقال تعالى :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . .( 72 ) [ الأحزاب ] فالأمانة هنا مستعارة للتكاليف الشرعية من أوامر ونواه وأحكام وعقائد وعبادات وأخلاق . [ القاموس القويم 1 / 35 ] .
( 3 ) إن - هنا - نافية بمعنى « ما » أو « ليس » . أي : ما من شئ خلقه اللّه إلا يسبح بحمد اللّه تعالى .