يحاول المشترى أن يستغل غفلة البائع بأن يرفع كفة الميزان بإصبعه من غير أن يراه البائع ، فيأخذ غير حقه ، وهذا نوع من خداع النفس ؛ لأن الحق سبحانه إنما يأمر بالاستقامة في البيع والشراء ؛ لأن الانتفاع بأي شئ مهما كثر ، فهو موقوت بعمر الإنسان في الدنيا ، وعمر الإنسان موقوت ، ولكن الذي يغش ويخدع إنما يعرّض نفسه لعذاب اللّه سبحانه في الآخرة « 1 » ، وهو عذاب بلا أمد ولا نهاية .
وهكذا يسلّم الإنسان نفسه لفائدة قليلة في الدنيا الزائلة ، ثم يلقى عذابا لا ينتهى في آخرة غير زائلة .
والعذاب في الآخرة عذاب محيط ، بمعنى أن المعذّب لا يستطيع أن يفلت منه ، فأنت في الدنيا بإمكانك أن تحتال في النجاة من العذاب ، وقد تلجأ إلى من هو أقوى منك ليحميك ، ولكنك في الآخرة تواجه يوما لا بيع فيه ولا خلّة « 2 » ولا شفاعة ، إن كنت من أهل النار .
يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب مواصلا الحديث إلى أهل مدين :
وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ
« 3 »
وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
هامش
( 1 ) وهناك عذاب آخر في الدنيا جاءت به أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقد أورد القرطبي في تفسيره ( 4 / 3405 ) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أظهر قوم البخس في المكيال والميزان إلا ابتلاهم اللّه بالقحط والغلاء » .
( 2 ) الخلة : الصداقة الخالصة المتينة التي تخللت القلب ، وجمعها : خلال . [ القاموس القويم ] . وقال تعالى :. . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ( 31 ) [ إبراهيم ] .
( 3 ) بالقسط : بالعدل ، بلا زيادة ولا نقصان .
لا تبخسوا : لا تنقصوا .
لا تعثوا : لا تفسدوا أشد الإفساد . [ كلمات القرآن ] . والعثو في الأرض هو الإتلاف والإضلال .