فمن يعمل فاحشة له علاجه ، ومن ينقص في الكيل والميزان ، فالرسول يعالج هذا الأمر .
لأن العالم القديم كان عالم انعزال ، لا التحام فيه أو مواصلة ؛ فقد يوجد عيب وآفة في مكان ، ولا يوجد هذا العيب أو تلك الآفة في مكان آخر .
وكل رسول يأتي ليعالج عيبا محددا في المكان الذي أرسله اللّه إليه ، ولكن رسول اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم جاء - وهو الرحمة المهداة للجميع وخاتم الأنبياء والمرسلين - جاء صلّى اللّه عليه وسلّم والدنيا على ميعاد بالالتقاء الإيمانى ، فلما تقاربت البلاد عن طريق سرعة الاتصالات ، وما يحدث في عصرنا الآن بقارة أمريكا نجده عندنا في نفس اليوم أو غدا ، فالعالم الآن عالم التقاء ، وتعددت الداءات فيه وتوحدت بسبب سرعة الالتقاء عن طريق عدم التمييز بين الخبيث والطيب .
ولذلك شاء الحق سبحانه أن يكون محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو خاتم الرسل .
وكانت خيبة آل مدين هي عدم عبادة اللّه وحده ، وكذلك كانت فيهم خسيسة التطفيف « 1 » في الكيل والميزان ، لذلك يقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السّلام :
وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ . .
( 84 ) [ هود ]
وحين قرأ العلماء هذا القول الكريم لم يلتفتوا إلى أن المراد ليس نقص المكيل والموزون « 2 » ، لأنه لو شاء لقال : « ولا تنقصوا المكيل أو الموزون » هذا
هامش
( 1 ) طفف الكيل : طول أعلاه وجعل له طفّا فوقه ، وذلك حين يضع يده أو يديه بجانبه ، فيمنع الحبّ الزائد من التساقط ثم يسرع بوضعه في إنائه ليأخذ أكثر من حقه ويظلم من يبيع له السلعة . قال تعالى :وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ( 1 ) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ( 2 ) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ( 3 ) [ المطففين ] فهم مطففون في الحالتين لأنهم يأخذون أكثر من حقهم ويسلمون غيرهم حقه ناقصا . [ القاموس القويم 1 / 403 ] .
( 2 ) المكيل : اسم مفعول من ( كال ) ، وهو كل شئ يكال بالمكيال سواء أكان قمحا أو غيره . واسم الفاعل :
« كائل » . والموزون : اسم مفعول من ( وزن ) وهو كل شئ يوزن بالميزان . واسم الفاعل : « وازن » .