تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 6591

مساهمون:

ص٦٥٩١
لكن الحق سبحانه قد شاء ألا يكون انتصار الإسلام على يد السادة من قريش في مكة ، بل جاء انطلاق الإسلام من المدينة ؛ لأن اللّه سبحانه أراد أن يعلّم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد . ولكن اللّه تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة ؛ فكأن الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق الممثّل في رسالة محمد ، ولم تخلق العصبية لمحمد إيمانا به وبرسالته . وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين ، وبيّن لهم أن المكان الذي قلب عاليه أسفله ، ليس ببعيد عنهم ، فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة ؟ والظلم - كما نعلم - هو مجاوزة الحق للغير ، أي : أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير ذي حق ، فإذا كان ظلما في الألوهية ، فهذا هو الشرك العظيم ، وإن كان ظلما في إعطاء حق من حقوق الدنيا للغير ، فهو ظلم للإنسانية ، والظلم درجات بحسب الجريمة . وقد ظلمت قريش نفسها ظلما عظيما ؛ لأنها أشركت بالله ؛ وجعلت له شركاء في الألوهية ؛ وهذا أقصى أنواع الظلم . واللّه سبحانه يريد أن يذكّر هؤلاء الظالمين بأن عذاب اللّه حين يجئ ، أو أمر اللّه حين يأتي ؛ لا يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه ، فتنبهوا جيدا إلى أنكم عرضة أن ينزل اللّه تعالى بكم العذاب كما أنزل بهذه القرى ؛ وهي غير بعيدة عنكم ، فالمسافة بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إلا أن اللّه تعالى قد جعلهم يمرون عليها في كل رحلة من رحلات الصيف إلى الشام « 1 » .
هامش
( 1 ) وفي هذا يقول سبحانه :وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 133 ) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 134 ) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ( 135 ) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ( 136 ) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ( 138 ) [ الصافات ] .
تفسير الشعراوى — صفحة 6591 | محمد متولي الشعراوي