تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 6589

مساهمون:

ص٦٥٨٩
وهكذا فوّضت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم تفويضين : فوّضت في نقل رسالة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الأجيال ، وكل جيل ينقلها إلى الجيل الذي يليه . وها هو صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « نضّر اللّه امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها ، فربّ مبلغ أوعى من سامع » « 1 » . وفوّضت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في أن تقف من الكافرين موقف تأديب ، لا لتفرض الدين ولكن لتحمى حق اختيار الدين ، فلم يحدث أن رفع سيف في الإسلام ليفرض دينا ؛ بل رفع السيف ليحمى حرية اختيار الإنسان للدين . يقول سبحانه :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . .
( 29 ) [ الكهف ] فإذا آمن فعليه الالتزام بالإيمان ، فلا يكسر حكما من أحكام الإيمان ، وهذا تصعيب للدخول في الإسلام ، فمن أين يأتي ادعاء فرض الدين على المخالفين ؟ ! إذن : فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إيمانين : الإيمان الأول هو أن يؤمن بالإسلام ، والإيمان الثاني أن يبلغ الدعوة . ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل » « 2 » . فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط ؛ لا ، بل يقصد كل من يعرف قضية من قضايا الإيمان معرفة سليمة وصحيحة ، وينساح
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده ( 1 / 437 ) والترمذي في سننه ( 2657 ، 2658 ) وابن ماجة في سننه ( 232 ) والحميدي ( 1 / 47 ) من حديث عبد اللّه بن مسعود . ( 2 ) أورده السيوطي في الدرر المنتثرة ( 293 ) وقال : لا أصل له . قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ( ص 286 ) : قال ابن حجر والزركشي : لا أصل له . وانظر كشف الخفاء للعجلوني ( 2 / 83 ) . ويؤخذ من الحديث أن نوقر من العلماء الصدق والأمانة في البلاغ والذكاء في العرض .