ولكن الأمر اختلف بمجىء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هو الدين الذي تقوم عليه الساعة ، وقومه مأمونون على البلاغ عن اللّه تعالى خلافة للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
وعلى كل واحد من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم حكما من أحكام اللّه تعالى أن يبلغه ؛ لأنه قائم مقام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم .
والحق سبحانه يقول :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
« 1 »
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . .
( 143 ) [ البقرة ]
إذن : فكل واحد من أمته صلّى اللّه عليه وسلّم هو امتداد لرسالة الإسلام ، وبدلا من أن السماء كانت تتدخل لتأديب الكافرين ، جعل اللّه سبحانه لأمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقفوا بالقوة أمام الكافرين ، لا لفرض الإيمان ؛ لأن الإيمان لا يفرض ، ولا يكره عليه ؛ لأنك قد تكره إنسانا في الأمور الحسية ، لكنك لا تستطيع أن تملك قلبه ، والحق سبحانه يريد الإيمان الغيبي الذي يملك القلوب .
ولذلك يقول الحق سبحانه :
لَعَلَّكَ باخِعٌ
« 2 »
نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
( 4 ) [ الشعراء ]
إذن : فالحق سبحانه يريد قلوبا تخشع ، لا أعناقا تخضع .
هامش
( 1 ) الوسط : مصدر ، ويسمى به الشئ المتوسط ، ولأنه مصدر يوصف به المفرد وغيره ، بلفظه . قال تعالى :وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . .( 143 ) [ البقرة ] . أي : أمة فاضلة خيرة ، خير الأمم ، فالوسط خير الطرفين ، ويؤيده قوله تعالى :كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . .( 110 ) [ آل عمران ] .
( 2 ) بخع نفسه بخعا وبخوعا : قتلها هما وغيظا وحزنا . قال تعالى :فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً( 6 ) [ الكهف ] . [ القاموس القويم ] .