أي : أحس في نفسه الخوف ، وهذا من أمر المواجيد « 1 » ؛ لأن كل فعل من الأفعال له مقدمات تبدأ بالإدراك ، ثم النزوع ، ثم الفعل ؛ فحين رآهم إبراهيم عليه السّلام أوجس في نفسه خيفة ، ثم نزع إلى فعل هو السّلام .
والشرع لا يتدخل في الإدراك أو المواجيد ، ولكنه يتدخل في النزوع ، إلا في أمر واحد من مدركات الإنسان ، وهو إدراك الجمال في المرأة .
لذلك أمر الشرع بغض البصر « 2 » ؛ حتى لا يدرك الإنسان ذلك فينزع إلى سلوك ليس له حق فيه ، ولأن إدراك حسن المرأة قد يدفع الغرائز إلى السلوك الفورى ؛ لأن الغرائز لا تفصل النزوع عن الوجدان والإدراك .
وهنا بيّن الحق مواجيد إبراهيم عليه السّلام حين قال :
وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ . .
( 70 ) [ هود ]
وجاء بالمعنى النزوعى حين قال :
قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ . .
( 69 ) [ هود ]
وهو حين التأكيد والتثبيت .
وقال الحق سبحانه :
. . فَما لَبِثَ أَنْ
« 3 »
جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
( 69 ) [ هود ]
وهو : العجل السمين المشوى على الحجارة ؛ لأن الشواء - كما نعلم - قد يكون على اللهب أو على الفحم ، أو على الحجارة .
هامش
( 1 ) المواجيد : جمع موجدة ، وهي ما يحس به القلب ويجده الإنسان في نفسه من مشاعر الفرح والحزن والرضا والغضب وغيرها .
( 2 ) ودليل هذا قوله عز وجل :قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ( 30 ) [ النور ] .
( 3 ) أن : بمعنى حتى . قاله كبراء النحويين . حكاه القاضي ابن العربي . والمعنى : أي : ما أبطأ عن مجيئه بعجل . ذكره القرطبي في تفسيره ( 4 / 3382 ) .