هذه هي التربية اليقينية « 1 » التي أرادها الحق سبحانه لإبراهيم عليه السّلام ليعلمنا كيف يكون الإيمان ؟
وكان قوم إبراهيم يعبدون آلهة غير اللّه ، لكن إبراهيم عليه السّلام توصّل إلى عبادة من خلقه وخلق الكون ، وهو الصانع الذي يضع قانون صيانة ما يصنع سبحانه وتعالى .
ولذلك نلاحظ قوله :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ
( 78 ) [ الشعراء ]
فلم يقل : « الذي خلقني يهديني » لأن هذه دعوى ؛ ستدّعى ، وسيضع الناس قوانين لأنفسهم ، فبيّن الحق سبحانه أن الذي خلق هو الذي يهدى .
وجاء الحق سبحانه بكلمة « هو » لحصر الأمر حتى لا يشارك الخلق خالقهم فيه ، لكن الأمر الذي لم يدّع ، لم يأت فيه بكلمة « هو » كقوله :
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ
( 81 ) [ الشعراء ]
فما لا شركة فيه عند الخلق يأتي به القرآن من غير تأكيد الضمير ، ولكن في الأمر الآخر يأتي بتأكيد الضمير كقوله :
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( 80 ) [ الشعراء ]
فقد يقال : « إن الطبيب هو الذي يشفيني » ، ولكن ذلك غير حقيقي ؛ لأن اللّه سبحانه هو الذي يضع العلم ، وهو الذي خلق الداء وخلق الدواء « 2 » .
هامش
( 1 ) اليقين : العلم الثابت الواضح الذي لا شك فيه ، ويقال خير يقين لا شك فيه ، ويكفى به عن الموت ؛ لأنه لا شك فيه ، قال تعالى :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( 99 ) [ الحجر ] أي : الموت وقال تعالى :فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ( 22 ) [ النمل ] وأيقن الأمر وأيقن به : علمه علما ثابتا واضحا لا شك فيه [ القاموس القويم 2 / 371 ، 372 ] .
( 2 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أنزل اللّه من داء إلا أنزل له شفاء » أخرجه البخاري في صحيحه ( 5678 ) وابن ماجة في سننه ( 3439 ) .