والشك هو استواء الطرفين : النفي والإثبات .
إذن : فهم ليسوا على يقين أن عبادتهم لما عبد آباؤهم هي عبادة صادقة ، ودعوة صالح عليه السّلام لهم جعلتهم يترددون في أمر تلك العبادة ؛ وهذا يظهر أن خصال الخير في صالح عليه السّلام جعلتهم يترددون في أمر عبادتهم « 1 » .
ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السّلام لثمود :
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ
« 2 »
إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ
« 3 »
مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً
« 4 »
فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
« 5 »
هامش
( 1 ) وأيضا فإنهم في شك من دعوة صالح عليه السّلام إلى عبادة إله واحد ، فخطابهم هنا موجه لصالح ( مما تدعونا ) أي : يا صالح . كانت ثمود بعد عاد ، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام ، أرسل إليها أخوهم صالح يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ، فسألوا صالحا أن يأتيهم بآية واقترحوا عليه أن تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم ، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها الكاتبة فطلبوا منه أن تخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض ، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق لئن أجابهم اللّه إلى سؤالهم ليؤمنن به وليتبعنه ، فقام إلى صلاته ودعا اللّه عز وجل فتحركت الصخرة وانشقت عن ناقة يتحرك جنينها بين جنبيها وكانت الناقة تشرب من البئر يوما وتتركه لهم يوما وكانوا يشربون من حليبها ويملأون ما يشاءون من أوعيتهم ، ولكن تسعة نفر اتفقوا على قتلها ، فعقروها ، فنزل بهم عقاب اللّه بعد ثلاثة أيام . [ تفسير ابن كثير 2 / 227 - 229 ] باختصار شديد .
( 2 ) أرأيتم : أي : أخبروني . [ كلمات القرآن ] .
( 3 ) بينة : يقين وبرهان وبصيرة . [ كلمات القرآن للشيخ حسنين محمد مخلوف ] . وهي الحجة الواضحة الموضحة للحق التي تجعل الحق ظاهرا للعيان .
( 4 ) رحمة : أي : نبوّة . [ تفسير الجلالين ] . وقد سبق قول نوح عليه السّلام :قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ . .( 28 ) [ هود ] قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3343 ) : « أي : نبوة ورسالة . عن ابن عباس ، وهي رحمة على الخلق . وقيل : الهداية إلى اللّه بالبراهين . وقيل : الإيمان والإسلام » .
( 5 ) خسّره : جعله يخسر ، وخسره تخسيرا : أبعده عن الخير ، وأهلكه . وقوله تعالى :. . فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ( 63 ) [ هود ] أي : غير إبعاد عن الخير ، أو غير إهلاك بعذاب اللّه [ القاموس القويم ] وجاء في تفسير الجلالين : ( غير تخسير ) أي : غير تضليل . وجاء في مختصر تفسير الطبري. . فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ( 63 ) يقول : ما تزدادون أنتم إلا خسارا ، يخسركم حظوظكم من رحمة اللّه عز وجل .