وهو هنا يقول : إن الطيب إذا ما أصاب ذلك الإنسان الموصوف ، فالطيب هو الذي يتطيّب ، كما أن الماء هو الذي يغسل إذا ما لمس هذا الإنسان ، وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تزيّن نحرها « 1 » بقلادة « 2 » ؛ لأن نحرها بدون قلادة يكون أكثر جمالا .
ويقال عن مثل هذه المرأة « غانية » ؛ لأنها استغنت بجمالها .
ويقال عن جمال نساء الحضر : إنه جمال مصنوع بمساحيق ، وكأن تلك المساحيق مثبتة على الوجه بمعجون كمعجون دهانات الحوائط ، وكأن كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من سكاكين المعجون لتملأ الشقوق المجعدة في وجهها .
ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك ، ويختل مشهد وجهها بخليط الألوان ؛ ولذلك يقال :
حسن الحضارة مجلوب بتطرية * وفي البداوة حسن غير مجلوب
إذن : فالزينة هي تحسين الشئ بغيره ، والشئ الحسن يستغنى عن الزينة .
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
« 3 » ( 15 ) [ هود ]
أي : إن كفرتم بالله فهو سبحانه لا يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات
هامش
( 1 ) النّحر : أعلى الصدر ، وهو موضع القلادة .
( 2 ) القلادة : كل ما يوضع حول الرقبة من عقود وحلى وذهب وغيره ، وسمّيت الأضاحي قلائد مجازا مرسلا علاقته الملازمة ؛ لأن الذبائح كانت تعلّم بقلادات في أعناقها . قال تعالى :وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ . .( 2 ) [ المائدة ] . أي : الأضاحي ذوات القلائد .
( 3 ) البخس : الإنقاص . وبخسه حقّه بخسا : نقصه حقّه ولم يوفّه . قال تعالى :وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ . .( 85 ) [ الأعراف ] [ القاموس القويم ] .