وكأن هذا الاستفهام يحمل صيغة الأمر بأن : انتهوا من الخمر والميسر ، واخجلوا مما تفعلون .
إذن : فقول الحق سبحانه في آخر الآية الكريمة :
. . فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
( 14 ) يعنى : أسلموا ، واتركوا اللجاجة « 1 » بأن القرآن قد جاء من عند محمد ، أو أنه افتراه ، بل هو من عند اللّه سبحانه الذي لا إله إلا هو .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ
« 2 » وكان الكافرون « 3 » قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا :
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ . .
( 12 ) [ هود ]
هامش
( 1 ) اللجاجة : اختلاط الأصوات وارتفاعها . والمقصود التشويش على القرآن بادعاءات باطلة .
( 2 ) بخسه حقه : نقصه حقه ولم يوفّه إياه ، قال تعالى :وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ . .( 85 ) [ الأعراف ] . والثمن البخس : القليل الناقص عن مثله ،وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ . .( 20 ) [ يوسف ] .
( 3 ) اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقيل : نزلت في الكفار ، قاله الضحاك ، واختاره النحاس ، بدليل الآية التي بعدها :أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ . .( 16 ) [ هود ] ، أي : من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة فكافئه بها في الدنيا ، بصحة الجسم ، وكثرة الرزق . لكن لا حسنة له في الآخرة .
وقيل : المراد بالآية المؤمنون ، أي : من أراد بعمله ثواب الدنيا عجّل له الثواب ولم ينقص شيئا في الدنيا ، وله في الآخرة العذاب لأنه جرّد قصده للدنيا . وقيل : هو لأهل الرياء ، وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء : « صمتم وصلّيتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك » ثم قال : « إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار » .
وقيل : الآية عامة في كل من ينوى بعمله غير اللّه تعالى ، كان معه أصل إيمان أو لم يكن . [ تفسير القرطبي 4 / 3331 ]