وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ما عليه من دين ، فالدائن يأخذه أو يأخذ أحد أبنائه كعبد له .
وإذا فعلت جناية ، فالجاني يأخذ العفو من المجنى عليه مقابل أن يعطيه أحد أولاده عبدا . وإذا سرق شئ فإن السارق لا يعاقب ، بل يعطى أحد أولاده عبدا للمسروق منه . وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء ؛ فيخطفون نساءهم وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق ، وهكذا كانت منابع الرق في العالم متعددة ، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد ؛ إن شاء حرر وإن شاء لم يحرر .
وقد كان الرق موجودا في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ووجد أيضا في أمريكا . إذن : كانت هناك منابع متعددة للرق ؛ ومصرف واحد هو إرادة السيد ، وقد كان الرق يتزايد ، وجاء الإسلام والعالم غارق في الرق ، لماذا ؟
لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضا تصب فيه صنابير متعددة ، وليس له إلا بالوعة واحدة . ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة ، شأن معظم تشريعات اللّه ، ولكنه عالجها على مراحل ، تماما كتحريم الخمر حين بدأ التحريم بالمنع عند الصلاة ، فقال الحق سبحانه وتعالى :
لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ . .
( 43 ) [ النساء ]
ثم حرمها تحريما قاطعا « 1 » .
هامش
( 1 ) مرّ تحريم الخمر بثلاث مراحل :
1 -يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما . . .( 219 ) [ البقرة ]
2 -لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ . . .( 43 ) [ النساء ]
3 -إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ( 91 ) [ المائدة ]