يجمعها وهو فقير ، أو من كان يجمعها وهو غير محتاج . ونقول : إن جمع الصدقة عمل ، ولو قلنا : إن غير المحتاج ويعمل في جمع الصدقة لا يجب أن يأخذ أجرا ، هنا يصبح عمله لونا من التفضل ، وما دام العمل تفضّلا فلن يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها ، إذا كان العمل بالأجر .
وأيضا حتى لا يحرم المجتمع من جامع صدقة ذكى نشيط ؛ لأنه غير محتاج ، ولكن نعطيه أجرا ليكون مسؤولا عن عمله ، والمسؤولية لا تأتى إلا إذا ارتبطت بالأجر .
والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة الإيمانية ، فهو يجمع الصدقات ويعطيها للحاكم أو الوالي الذي يوزعها . وفي هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله . خصوصا إن كانت الصدقة توزع من بيت المال فلا يتعالى أحد على أحد ، ولا يذل أحد أمام أحد ، وفي هذا حفظ لكرامة المؤمنين ؛ لأن من يأخذ من غير بيت المال سيعانى من انكسار يده السّفلى .
ومن يعطى لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد العليا ، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غنى ليأخذ منه الصدقة ويصاب بالذلة والانكسار . ولا يرى أولاد الغنى هذا الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة ؛ فيتعالون على أبناء الفقير .
فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال ، كان ذلك صيانة لكرامة الجميع ، وإن حدث خلاف بين غنى وفقير فلن يقول الغنى للفقير : أنا أعطيك كذا وكذا ، أو يقول أولاد الغنى لأولاد الفقير : لولا أبونا لمتم جوعا .
إذن : فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطى ، ويمنع - أيضا - ذلة السؤال ، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطى . وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة ؛ لأن كل المحكومين تحت ولايته مسؤولون منه .
تفسير الشعراوى — صفحة 5222
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٥٢٢٢