تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5219

مساهمون:

ص٥٢١٩
التي خلقها لك اللّه ، وفي الأرض التي خلقها اللّه ، فإنك في بطن أمك لم تكن قادرا على أي شئ . وحين تخرج وتنمو وتكبر فأنت تحيا في كون ملىء بنعم اللّه ، لم تخلق فيه شيئا ، ولم توجد فيه خيرا . وإنما جئت إلى الكون وهو كامل النعم ، فلا أنت أو جدت الأرض ولا صنعت الشمس ، بل إن نعمة واحدة من نعم اللّه ، وهي المطر ؛ إن توقفت هلك كل من في الأرض . ونلمس أثر ذلك حين تأتى مواسم الجفاف في أي منطقة من العالم ، ونرى كيف يهلك كل شئ ؛ الزرع والإنسان والحيوان . والحق سبحانه وتعالى قد خلقنا في عالم أغيار ، فالقادر اليوم قد يصبح غير قادر غدا ، والصحيح اليوم قد يصبح مريضا معلولا غدا ، والقوى يضعف ، حتى نعرف أن ما نملكه من قدرة وقوة ليست أمورا ذاتية فينا ، ولكنها منحة من اللّه ؛ يأخذها وقتما يشاء ، ونرى القوى الذي كان يفتك بيده ويؤذى بها غيره ويذلّ الناس بها . نراه وقد أصيبت يده ، فلا تصل إليها الأوامر من المخ فتشل . إذن : فقدرة أي إنسان ليست ذاتية فيه ، بل هي من فضل اللّه سبحانه وتعالى ، وكل شئ في الكون هو من فضل اللّه . والحق سبحانه وتعالى يقول :
سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ
ويقال : رغب في كذا أي أراده ، ويقال : رغب عن كذا ، أي ترك هذا الأمر . ويقال : رغب إلى كذا أي سار في الطريق نحوه . وهنا قال الحق :
إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ
وما دمنا إلى اللّه راغبين ، كان يجب ألا نعزل عطاء الدنيا عن عطاء الآخرة ، فالدنيا ليست كل شئ عندك ؛ ما دمت راغبا إلى اللّه الذي سيعطيك نعيما لا حدود له في الآخرة . ولذلك فرغبتنا في اللّه كان يجب ألا تجعلنا نسخط على نعيم فاتنا في الدنيا ؛ لأن هناك نعيما بلا حدود ينتظرنا في الآخرة .
تفسير الشعراوى — صفحة 5219 | محمد متولي الشعراوي