تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5772

مساهمون:

ص٥٧٧٢
الناس حلّاق الصحة ، إلى أن تخرّج أحد أبناء القرية في كلية الطب ، فأخذ حلاق الصحة يشيع عنه ما لا يليق . وفي أحد الأيام لاحظ الفلاحون خروج حلاق الصحة مبكرا وهو يحمل لفافة كبيرة ، فأرادوا أن يعرفوا ما بها ، واكتشفوا أن ابن حلاق الصحة مريض وهو يريد أن يذهب به إلى الطبيب ، هو - إذن - لا يخدع نفسه ، رغم محاولته خداع أهل القرية بالشائعات الكاذبة عن الطبيب . وكذلك الإنسان مع منهج اللّه ، قد يخدع الآخرين في لحظة اليسر ، لكنه لا ينسى اللّه لحظة العسر . وساعة يأتيه الضر ، وحين تعزّ الأسباب عليه فهو لا يجد إلا كلمة « يا رب » . وأنت تجدها من أعتى الفجّار « 1 » ، ومن أقسى العتاة ، تجد الواحد من هؤلاء وهو يدعو اللّه ساعة الضرّ . وهذا ما يقوله الحق سبحانه هنا :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ .
والمثل من حياة هؤلاء الكافرين الذين دعوا على أنفسهم ، ولو كانوا يرغبون في إنهاء الحياة ، فلماذا يدعون اللّه وهم قد كفروا به ؟ إنه كذب مفضوح ، والإنسان حين يضيق بنفسه قد يدعو على نفسه بالضّر ؛ مثلما قال المتنبي « 2 » :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا « 3 » أن يكنّ أمانيا
أي : يكفى أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي يتمنى فيها الموت .
هامش
( 1 ) الفجّار : جمع فاجر وهو المكثر من المعاصي والسيئات . والفجور أصله الميل عن الحق . قال ابن شميل : الفجور : الركوب إلى ما لا يحلّ . قال تعالى :بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ( 5 ) [ القيامة ] . وقال :وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ( 14 ) [ الانفطار ] . [ اللسان : مادة ( فجر ) . . بتصرف ] . ( 2 ) المتنبي شاعر من شعراء الدولة العباسية له باعه في الشعر ( 3 ) المنايا : جمع منيّة وهي الموت . والمنى : القدر ، ومنى اللّه لك شيئا أي : قدّره لك . ومنى اللّه عليك خيرا يمنى منيا ، وبه سمّيت المنيّة وهي الموت ؛ لأنها مقدّرة بوقت مخصوص . [ اللسان : مادة ( منى ) ] .