تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5774

مساهمون:

ص٥٧٧٤
ولم يجد مفزعا له لا من ذاته ولا من البيئة المحيطة به ، فلا يجد من يلجأ إليه إلا ربه . ومن الأسف أن هذا الإنسان يكون كافرا بالله . والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تعطينا صورا متعددة ؛ فالحق سبحانه يقول :
دَعانا لِجَنْبِهِ
أي : وهو مضطجع ،
أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً .
وهكذا تتناول الآية الإنسان في تصرفاته في الكون . والآية متمشية مع أطوار تكوين الإنسان ؛ فالطفل الصغير لا يستطيع أن يتقلّب ، بل يقلّبه أهله ؛ لينام على جنبه ، وحين يكبر قليلا فهو يتقلب بمفرده ثم تأتى حركة القوة الثانية ؛ فيقعد الطفل ، ثم يقف دون أن يمشى ، ثم يمشى من بعد ذلك . والآية هنا تعطينا التصوير الدقيق لثلاث حالات :
دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ،
ولم تأت حركة المشي ؛ لأن المتحرك للمشي لا يقعده الضر ، لكن من يمر بالمراحل الأخرى قائما أو قاعدا أو راقدا على الجنب ، فقد يناله الضر . وتلك هي مراحل النقض لمظاهر الحياة ، فالإنسان يعيش الطفولة ، ثم فتوّة الشباب ، ثم يأتيه الضعف والشيب ، فلا يستطيع أن يمشى بقوة الشاب ، وإن كان يستطيع الوقوف ، ثم تدخل عليه الشيخوخة ؛ فيقعد ، ولا يستطيع أن يقف ، ثم تتقدم به الشيخوخة ؛ فلا يمشى ، ولا يقف ، ولا يقعد ، ويظل راقدا على جنبه ، وقد يقلّبه أهله « 1 » . إذن : نقض كل شئ إنما يأتي على عكس بنائه ؛ فكما بنيت مراحل الإنسان هكذا جنبا ، فقعودا فقياما ، فسعيا وحركة ، فهي تنتهى بالعكس ؛ لأن النقض دائما على عكس البناء .
هامش
( 1 ) وهو القائل سبحانه :اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ( 54 ) [ الروم ] .