وحين بلغ الطوفان تمامه استوت مركب سيدنا نوح ومعه المؤمنون من قومه ، وقال الحق :
وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
« 1 »
. . .
( 44 ) [ هود ]
أي : استقرت على الجبل واستتب الأمر .
إذن : فكل استواء للّه يجب أن يؤخذ على أنه استواء يليق بذاته ، وصفاته ، التي قد يوجد في البشر مثلها ، لكنها صفات مطلقة في إطار :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . . .
( 11 ) [ الشورى ]
وفعل اللّه لا يمكن أن يتساوى مع فعل البشر ؛ ولذلك قلنا في حديث الإسراء « 2 » : إن الكفار المعاصرين للإسراء حينما كذّبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في أنه قد أسرى به ، قالوا : أتدّعى أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا ؟ « 3 » وهذا القول المستنكر يؤكد أنهم قد فهموا أن الإسراء قد حدث حقيقة .
ورغم ذلك تجد بعض المعاصرين - الذين يدعون المعاصرة والفهم - يتساءلون : ولماذا لا تقولون : إن الإسراء قد تمّ بالروح ؟ ونقول لهم : إن كفار قريش أنفسهم الذين عاصروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يقولوا ذلك ، وفهموا أن الإسراء قد تمّ بالجسد ؛ لذلك قالوا : « أنضرب إليها أكباد الإبل شهرا ،
هامش
( 1 ) الجودى : موضع ، وقيل : جبل ، قال الزجاج : هو جبل بآمد ، وقيل : جبل بالجزيرة استوت عليه سفينة نوح عليه السّلام .
( 2 ) أسريت وسريت إذا سرت ليلا . يقول تعالى :سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا . . .( 1 ) [ الإسراء ] وأسرى بعبده : سيّر عبده . وأسراه ، وأسرى به بمعنى واحد . ويقول تعالى :وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ( 4 ) [ الفجر ] معنى يسر : يمضى . أو يسرى فيه . وقد حدث الإسراء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل الهجرة بسنة ، وقيل بستة عشر شهرا .
( 3 ) ذكر ابن إسحاق أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أصبح غدا على قريش ، فأخبرهم الخبر فقال أكثر الناس : هذا واللّه الإمر البين ، واللّه إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة ، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة ؟ ( سيرة النبي لابن هشام 2 / 4 ) . والإمر : هو الشئ العظيم العجيب المنكر .