تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5692

مساهمون:

ص٥٦٩٢
علم أزلىّ « 1 » ، علم قبل أن توجد أنت أو يوجد غيرك ؛ لذلك فأنت إذا علمت شيئا ، وعلم اللّه شيئا ، فعلم اللّه يناسبه ، وعلم البشر يناسبك . وأىّ صفة من صفات اللّه مطلقة ، وأىّ صفة من صفاتك نسبية ؛ لأن الحق سبحانه هو واجب الوجود الأزلي ، وأنت في هذه الحياة مجرد حدث محدود العمر بين قوى الميلاد والموت . فالله غنى ، وقد تكون أنت غنيّا ، لكن غناك لا يمكن أن يتساوى مع غنى اللّه . وأنت موجود واللّه موجود ، ولكن وجودك لا يمكن أن يقاس بوجود اللّه . فذات اللّه ليست كذواتنا ، وكذلك صفات اللّه ليست كصفاتنا ، وفعله ليس كفعلنا ، واستواؤه سبحانه ليس كاستوائنا ، بل في إطار
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
لأن الذي يفسد الفهم أن يقال : « استوى » بمعنى : قعد . أو فلنأخذ الاستواء كتمثيل للسيطرة ، وسبحانه مسيطر على كل شئ ، والاستواء : يعنى التمكن . وسبحانه القائل :
وَلَمَّا بَلَغَ
« 2 »
أَشُدَّهُ وَاسْتَوى . . .
( 14 ) [ القصص ] إذن : فاستوى : تعنى بلوغ تكوين الكمال في الذات . والإنسان منا وهو صغير - قبل البلوغ - إنما تنقصه بعض من درجات النضج في الجهاز العصبى ، وكذلك في الجهاز التناسلى ، فإذا ما بلغ اكتمل النضج ، ويقال : ( استوى ) أي : صار قادرا على إنجاب مثله ، وتمت له رجولته . ويقال عن الثمرة : إنها استوت
فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ
[ الفتح ] أي : نضجت نضجا يبلغها أن تعطى من ثمرتها مثل ذاتها ، وبذلك تضمن بقاء نوعها .
هامش
( 1 ) الأزل : هو القدم . ومنه قولهم : هذا شئ أزلىّ ، أي : قديم . وقيل : إن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم : لم يزل ، ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار ؛ فقالوا : يزلىّ ، ثم أبدلت الياء ألفا ؛ لأنها أخفّ فقالوا : أزلىّ . ( 2 ) المقصود هنا هو موسى عليه السّلام ، أي : لما اكتمل تكوينه ، وقيل : إن هذا يكون عند سن الأربعين .