الخالق الذي خلق من عدم وأمدّ من عدم « 1 » ، وهو بهذا الوصف ربّ لكل خلقه : المؤمن والكافر ، والطائع والعاصي .
وما دام اللّه سبحانه ربّا لكل الخلق ، فهو الرازق لكل خلقه ، فهو الذي استدعى خلقه إلى هذه الدنيا ، وهو الذي يعطى كل مخلوق الرزق الذي كتبه اللّه له ، وهو سبحانه يأمر نواميس « 2 » الكون وأسبابه أن تعطى له أو لا تعطى ، فإن زرع الأرض وأحسن زراعتها ؛ أعطى سبحانه الأمر للأرض أن تعطى هذا المخلوق الرزق .
وكل مخلوق يأخذ بالأسباب ، يوفر له الحق النجاح في الأسباب .
وأقول دائما لمن يرون تقدم الكفار في أمور الدنيا ، ويتساءلون : لماذا يتقدم الكفار في أمور الدنيا ونتأخر نحن ؟ أقول لهم : لقد أخذوا من عطاء الربوبية في الأسباب ، وأنتم لم تأخذوا من عطاء الربوبية . وعليكم أيها المسلمون أن تأخذوا بالأسباب ، وهي عطاء الربوبية ؛ حتى لا يسبقكم الكافرون إليها ، ولا تجلسوا في موقع المتفرج ، بل المفروض فيكم أن تسبقوا الكفار إلى عطاء الربوبية .
أما عطاء الألوهية ، وهو أن يقرّ الإنسان بأن اللّه هو المعبود بحق ، وهو المطاع في « افعل » و « لا تفعل » ، فهذا العطاء لا يناله إلا من آمن به .
اذن : فالله رب الجميع ، ولكنه إله من آمن به . إذن : هناك فارق بين
هامش
( 1 ) العدم ، والعدم ، والعدم : فقدان الشئ وانعدامه . وهذه المادة لم ترد في القرآن ، بل جاء بمعناه مثل قوله تعالى :هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً( 1 ) [ الإنسان ] .
( 2 ) نواميس الكون : الأسرار التي أودعها اللّه في الكون ، من قوانين تنظم حركة أجزائه ومكوناته .
والناموس أيضا : صاحب سر الملك أو الرجل الذي يطلعه على سره وباطن أمره ويخصه بما يستره عن غيره . ومنه الناموس : جبريل ؛ لأن اللّه تعالى خصه بالوحي والغيب اللذين لا يطلّع عليهما غيره .