تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5680

مساهمون:

ص٥٦٨٠
إذن : فلم يكن هناك سحر في عيني موسى ، ولكن كان هناك تغيّر فعلىّ في حقيقة العصا . فلما خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا ؛ لأنها ستعود - بإذن اللّه - إلى سيرتها الأولى . والدليل على أن التغير قد حدث في حقيقة العصا ، أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان ، ووقفوا في منافسة مع سيدنا موسى ، وقالوا له :
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
( 65 ) [ طه ] وقبل موسى عليه السّلام التحدي ، وتجد القرآن يصور المسألة فيقول :
قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
( 66 ) [ طه ] وقوله :
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ
يعنى : أن الحبال والعصى لم تتغير حقيقتها ولم تسع . وما إن رمى موسى عصاه حتى تحولت إلى حية فعليّة تلقف ما صنعوا ، وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون الإيمان ؛ لأنهم رأوا حقيقة واضحة ، وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية . إذن : فالساحر « 1 » يرى الشئ على حقيقته ، والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشئ ، فيخيّل إليه أنه شئ آخر ؛ ولذلك لم يقل أحد : إن موسى تعلّم السحر ، وإن من علّمه غلبهم ، لا ، بل عرفوا أنها مسألة أكبر من طاقة البشر ؛ لأن حقيقة العصا نفسها قد تغيرت ، فقالوا :
آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
( 70 ) [ طه ] ولم يقولوا : آمنا بموسى .
هامش
( 1 ) الساحر اسم فاعل ، قال تعالى :وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى . .( 69 ) [ طه ] والمسحور والمسحرّ من به صرع أو جنون يظن الناس أنه من عمل الساحر ، والسحار صيغة مبالغة مصداقا لقوله تعالى :يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ( 37 ) [ الشعراء ] والسحر : الجزء الأخير من الليل حتى مطلع الفجر وجمعه أسحار قال تعالى :وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ . .( 17 ) [ آل عمران ] .