وضربنا من قبل المثل ، وقلنا : هب أن إنسانا ركب طائرة ، ثم نفد وقودها وسقطت في الصحراء ، وكتبت له النجاة وتلفّت حوله فلم يجد ماء أو طعاما أو أي دليل من أدلة الحياة ، ثم غلبه النوم ، فلما استيقظ من نومه ، وجد مائدة عليها من أطايب الطعام ، وأطايب الشراب ، أما كان يسأل نفسه قبل أن يأكل ويشرب : من الذي صنع وأحضر كل هذا الطعام ، وكل هذا الشراب ؟
وهذا الكون قد أعدّ لك أيها الإنسان ، أما كان يصح أن تفكر فيمن أعدّ لك هذا الكون ، وخلق لك كل ما ليس في متناول قدرتك ، وسخّر كل ذلك لك ؟ وقد أبلغك الحق : أنا خلقت السماء ، وخلقت الأرض ، والشمس ، والنجوم ، وحين وصلك هذا البلاغ ، فإما أن يكون صدقا ، فلتنفذ ما أمر به الخالق . وإن لم يكن هذا الكلام صدقا ، فمن الذي خلق إذن ؟ إن كان هناك إله غيره قد خلق الكون ، وسمع مثل هذا البلاغ ، ولم يتحرك لبيان صدق المسألة ، لما كان هذا الآخر يستحق أن يكون إلها « 1 » .
وما دام لم يظهر معارض له سبحانه ، فهو الخالق ؛ لأن الدعوى إذا ما صدرت من واحد ، ولم يظهر لها معارض ، فصاحبها هو من أصدرها إلى أن يوجد له معارض .
وقد ضربنا مثلا ، فقلنا : هب أن جماعة من أصدقائك جاءوا
هامش
( 1 ) وقد أكد رب العزة سبحانه على هذا المعنى في كثير من الآيات قائلا سبحانه وتعالى في سورة النمل :أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ( 64 ) [ النمل ] . وقال تعالى :لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا . .( 22 ) [ الأنبياء ] .