وهكذا حذف التفاصيل التي يسهل معرفتها ، والتي وقعت بين قول من عنده علم من الكتاب ، وبين تنفيذ نقل عرش بلقيس .
وكذلك حذف القرآن قدرا من الأحداث في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ، فعندما بلّغهم رسول اللّه الإنذار ، هنا قال الكافرون :
إِنَّ هذا لَساحِرٌ
« 1 »
مُبِينٌ
( 2 ) [ يونس ]
وقد قال الكافرون هذا الاتهام أكثر من مرة ، فمرة يقولون عن القرآن :
إنه سحر ، ومرة يقولون عن محمد : إنه ساحر « 2 » . ولنسأل : ما معنى كلمة ساحر ؟ إن الساحر هو الذي يصنع أشياء ، ويوهمك أنها حقيقة ؛ وهي ليست بحقيقة .
ولذلك يجب أن نفرق بين السحر وبين معجزة موسى ، حتى لا يقال :
إن معجزة موسى عليه السّلام وهي العصا كانت من جنس ما برع فيه سحرة فرعون ، صحيح أنها من جنس ما برع فيه قوم فرعون ، ولكنها ليست سحرا ؛ لأن الحق شاء أن يغير من حقيقة العصا فجعلها أفعى ، أما سحر قوم فرعون « 3 » فهو لا يغير حقيقة الأشياء ، بل يوهم من يراها بأنها تغيرت .
هامش
( 1 ) وردت الآية بقراءتين ، فقد قرأها ابن محيصن والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي « لساحر » وصفا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقرأها الباقون ( لسحر ) وصفا للقرآن . نقله القرطبي في تفسيره ( 4 / 3233 ) .
والقراءتان مؤداهما واحد .
( 2 ) اتهم الكفار القرآن بأنه سحر في بضع آيات من القرآن :
-وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ( 43 ) [ سبأ ] .
-وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ( 30 ) [ الزخرف ] .
-وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ( 7 ) [ الأحقاف ] .
* وفي آيات أخرى اتهموا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه ساحر :
-وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ( 4 ) [ ص ] .
( 3 ) سحر قوم فرعون هو من نوع سحر التخييل والأخذ بالعيون والشعبذة ، ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشئ المعين دون غيره ، ولذلك قال تعالى :يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى( 66 ) [ طه ] .