ما يضره . والتبشير يعنى أن تحث الإنسان على أن يجتهد ؛ لينال ما يحبه .
والأمور في الأحداث كلها تدور بين سلب وإيجاب .
ولسائل أن يقول : ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل البشارة ؟
فنقول : إن كلمة « الإنذار » كلمة عامة لكل الناس ، حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار ، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط . أو أن الإنذار والبشارة للمؤمنين ، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة دائما ، وأن يكون الإنذار لونا من ضرورة التخلية من العيوب ، قبل التحلية بالكمال .
فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضرّ أولا ، ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك ؛ لأن درء « 1 » المفسدة مقدّم على جلب المصلحة « 2 » .
ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس ، والناس : هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة . وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة « الناس » ، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن ، وقالوا : إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له .
وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة « الناس » حيث يقول الحق :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلهِ النَّاسِ ( 3 ) مِنْ شَرِّ
هامش
( 1 ) الدّرء : الدفع . يقول تعالى :وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ( 22 ) [ الرعد ] . قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 510 ) « أي : يدفعون القبيح بالحسن ، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا » .
( 2 ) المقصود بالمصلحة هو المحافظة على مقاصد الشارع الأساسية ، والتي دل الاستقراء على أنها خمس ضروريات لا بد منها ، وهي : حفظ الدين والعقل والنفس والنسل والمال . فكل تشريع أو حكم يحفظ أحد هذه الأمور فهو مصلحة ، وكل ما يضر بها فهو مفسدة .