تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5647

مساهمون:

ص٥٦٤٧
إذن : فصناعة السيارات إن لم تتخلص من عيوب عوادمها بأسلوب ما ، فهي اختراع بلا حكمة ، ويجب البحث عن وسائل لإزالة أضرار احتراق الوقود ، وبذلك نستفيد من سرعة السيارات ، وقدرتها على حمل البضائع ، ونتخلص مما تسببه من ضرر . وهكذا نعرف أن الحكمة هي : وضع الشئ في موضعه المفيد فائدة دائمة لا يأتي من بعدها ضرر . ولقائل أن يقول : وما معنى قول الحق :
الْكِتابِ الْحَكِيمِ
هل الكتاب بمفرده له حكمة ؟ أم أن الحكيم هو من أنزل الكتاب ؟ ونقول : إن معنى
الْكِتابِ الْحَكِيمِ
أنه الكتاب الذي يمتلئ بالحكمة الصادرة من اللّه ، أو الكتاب الذي أنزله الرب الحكيم . وكلمة « حكيم » على وزن « فعيل » ، ومثلها مثل « كريم » و « رحيم » وتأتى مرة بصيغة فاعل ، ومرة بصيغة فعيل « 1 » ، وموضعها هو الذي يبين لنا ذلك . ومعنى كلمة « الحكيم » يتضح لنا من سياقها : فإن نسبت الأمر إلى الحكم فهو كتاب صادر من الحق سبحانه ، وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم ؛ والحاكم هو الذي يحكم في قضايا ؛ ليبين وجه الحق فيها ، والقرآن يحكم في كل قضايا الإيمان . وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي لا إله إلا اللّه . ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم ، وسبحانه القائل :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
( 13 ) [ لقمان ] والقرآن يحسم هذه القضايا ، وهو حاكم فاصل فيها « 2 » .
هامش
( 1 ) صيغة فاعل تصاغ للدلالة على اسم الفاعل من الفعل الماضي الثلاثي المتصرف ، وقياسا على هذا فإن فعل ( كرم ) مثلا تصاغ منه صيغة اسم الفاعل ( كارم ) وكذلك ( بخل ) يصاغ ( باخل ) وهذا يدل على معنى طارىء غير ثابت ، أما إن كان المعنى ليس طارئا حادثا وإنما هو دائم ، فيجب التصرف بتغيير صيغة « فاعل » الدالة على الحدوث إلى أخرى دالة على الثبوت كأن نقول : كريم ، بخيل . ومن هذا أيضا حكيم . فهي صفة لها ثبوت ودوام في حق اللّه ، ولذلك غيرت الصيغة من « فاعل » إلى « فعيل » . انظر : ( النحو الوافي 3 / 242 ) . ( 2 ) القرآن حكيم ؛ لأنه صادر من أحكم الحاكمين .