الكلمات وهي الحروف ؛ بل بالمعاني والنسق « 1 » الذي جاءت به الحروف ، فالمادة الخام - وهي الحروف - واحدة . وصار القرآن معجزة ؛ لأن المتكلم هو اللّه .
وضربنا من قبل المثل لنقرب ذلك إلى الأذهان : هب أننا نريد أن نقيس مهارة من ينسجون الأقمشة ، ونضع أمام كل منهم مجموعة من غزل الصوف وغزل القطن ، وغزل الحرير ، وهذه مواد خام يختلف كل منها عن الآخر ، ونقول لهم : كل واحد منكم عليه أن ينسج قطعة من كل صنف لنعرف الأفضل في النسج .
وسنسمع من يقول : إن نتيجة نسج الصوف نسيج خشن ، وناسج القطن سينسج قطعة تأخذ صفات القطن ، وناسج الحرير سينسج لنا نسيجا ناعما ، أما إن أعطينا كلّا منهم نوعا واحدا من الغزل ؛ صوفا أو قطنا أو حريرا ، هنا سنعرف من الأقدر على النسج .
إذن : لو أن القرآن جاء بغير حروف العرب ، وبغير كلمات العرب ؛ لقالوا : لو كانت عندنا هذه الحروف وهذه الكلمات ؛ لأتينا بأحسن منها « 2 » .
هامش
( 1 ) النسق من كل شئ : ما كان على طريقة نظام واحد .
( 2 ) قد يقول قائل : ولكن الواقع أن القرآن الكريم به ألفاظ أعجمية كثيرة مثل : أباريق ، أبّ ، أرائك ، إستبرق ، أكواب ، أسفار . الجبت . وغيرها كثير ذكرها الزركشي في البرهان ( 1 / 287 - 290 ) والسيوطي في الإتقان ( 2 / 105 - 120 ) وذكر فيه ( 118 ) كلمة أعجمية بين : حبشية ونبطية وسريانية ورومية وفارسية وعبرانية وقبطية وعبرية . نقول : اختلف العلماء في هذه الكلمات ، فمنع الشافعي وابن جرير والقاضي أبو بكر القول بأن في القرآن كلمات أعجمية مستدلين بقوله تعالى :قُرْآناً عَرَبِيًّا . . .( 2 ) [ يوسف ] .
وقال آخرون بوقوع الكلام الأعجمى فيه وأن هذا لا يعنى أنه ليس قرآنا عربيا ، فهذه الكلمات اليسيرة لا تخرجه عن كونه عربيّا .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام : « الصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا ، وذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء ، ولكنها وقعت للعرب ، فعربتها ( أي : الكلمات ) بألسنتها وحولتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها ، فصارت عربية ، ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب ، فمن قال : إنها عربية فهو صادق ، ومن قال : أعجمية فصادق » .