والمثال من حياتنا - وللّه المثل الأعلى - نجد الجيش يضع كلمة اسمها : « كلمة السر » ، وهذه الكلمة قد لا يكون لها معنى ، ولكن لا أحد يتحرك أو يخرج أو ينضم إلى المعسكر إلا إذا قالها . ولتكن الكلمة « عدس » على سبيل المثال ، ومن يعرفها يعرف أنها منجية من الموت ، وساعة يعود مقاتل إلى كتيبته وينطق بكلمة « عدس » ، هنا يعرف حارس بوابة المعسكر أنه منهم ، أما من لا يعرفها فقد يقتل . ومن يقولها ، إنما ينطقها بسر من لقنه إياها .
وقد فهم العربي القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء ، وللغته فيها نظائر ؛ لأنه مثلا حين يقرأ الشعر ، ويلتفت إلى شاعر « 1 » يقول :
* الا هبّى بصحنك فاصبحينا *
ويقول :
الا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا « 2 »
ما معنى ألا هنا ، ولماذا جاءت ؟ فالمعنى واضح بدونها ، لكن العربي القديم قد نطق هذا البيت ، وعرف أن الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع . والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم ، أو لا يتكلم ، والسامع مفاجأ بالكلام ، فإذا ما ألقيت الكلام إلى السامع ؛ قد يكون ذهنه مشغولا ، وإلى أن ينتبه لكلماتك ، قد تفوته جزئية من جزئيات الكلام ؛ فتنبهه أنت إلى ما قلت ؛ فيتنبه ؛ ليستوعب كل ما قلت « 3 » .
هامش
( 1 ) هو : عمرو بن كلثوم أبو الأسود ، شاعر جاهلي ، من الطبقة الأولى ، ولد في شمال جزيرة العرب ، ساد قومه تغلب وهو فتى ، وعمّر طويلا ، توفى نحو عام 40 قبل الهجرة . من أشهر شعره معلقته ( الأعلام للزركلي 5 / 84 ) .
( 2 ) هذه الأبيات من معلقة عمرو بن كلثوم ، وعدد أبياتها ( 103 ) ، وهي من بحر الوافر .
( 3 ) ف « ألا » هنا حرف استفتاح يفيد التنبيه ، ويدل على تحقق ما بعده . ولها أربعة معان أخرى هي :
التمني والاستفهام عن النفي والحث والتحضيض والتوبيخ والإنكار .