ومثال آخر لو استعرضت في القرآن الكريم كلمة « تبارك » ، ستجد فيها ألفا بعد الباء ، وتأتى مرة من غير ألف « 1 » ، وكلمة « البنات » نجدها مرة بألف ومرة من غير ألف « 2 » ، كل ذلك ؛ لنفهم أن المسألة ليس لها رتابة كتابة ؛ لأنها لو كانت رتابة كتابة ؛ لجاءت على نظام واحد .
وقد شاء الحق هذا الأمر ؛ لتكون كتابة القرآن معجزة ، كما كانت ألفاظه وتراكيبه معجزة . وقد قال البعض : إن العرب المعاصرين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكونوا أهل إتقان للكتابة ، ونقول : لو كانوا على غير دراية بالكتابة لما كتبوا « بسم » من غير ألف في موقعها ، لقد علموا أن القرآن يجب أن يكتب كما نزل به جبريل عليه السّلام على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كتابة توقيفية ، أي : كما أمر الحق سبحانه « 3 » .
وعجيبة أخرى أن كل آيات القرآن مبنية على الوصل ، فأنت لا تقرأ ختام السورة بالسكون ، بل تلتفت لتجد الكلمة التي في ختام أي سورة مشكلة بغير السكون .
هامش
( 1 ) كلمة « تبارك » وردت في القرآن 9 مرات ، منها موضعان فقط بدون ألف في قوله تعالى :تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ( 78 ) [ الرحمن ] ، وقوله :تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ . . .( 1 ) [ الملك ] أما المواضع السبعة الأخرى فهي :تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ( 54 ) [ الأعراف ] ،فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ( 14 ) [ المؤمنون ] ، [ الفرقان ( 1 ) ، ( 10 ) ، ( 61 ) ] ، [ غافر 64 ] ، [ الزخرف 85 ] .
( 2 ) وردت كلمة البنات في القرآن 12 مرة ، منها ثلاثة مواضع بدون الألف وهي :وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ . . .( 100 ) [ الأنعام ] وقوله :وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ( 57 ) [ النحل ] ، وقوله :أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ( 39 ) [ الطور ] .
( 3 ) هذا علم هام من علوم القرآن ، وهو علم مرسوم الخط ، تحدث فيه العلماء وبينوا دقائقه ، وهم على عدم ترك ما استقر عليه الأولون الأقدمون في قواعد الرسم القرآني ، وأن لهذا الرسم حكما خفية تكلم فيها علماء . انظر : البرهان في علوم القرآن للزركشى ( 1 / 376 - 431 ) والإتقان في علوم القرآن للسيوطي ( 4 / 145 - 166 ) .