تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5576

مساهمون:

ص٥٥٧٦
وما دام الحق قد قال :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
فهذا يعنى أنه سبحانه قسمهم إلى طائفتين ، إحداهما تنفر ، والأخرى تبقى لتتفقه في الدين . إذن : فكأن أسلوب القرآن أسلوب أدائي كل ينفر لمهمته .
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ
يبين أن طائفة منهم تكون قتالية والأخرى إعلامية مهمتها
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
فمن يجلس مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليستمع إليه ، فهو يجهز للمقاتل حيثيات ما يجاهد على مقتضاه ، وحين يرجع المقاتلون يبلّغهم من جلس مع الرسول ما نزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم من وحى ، ويتناوب المسلمون الجلوس مع الرسول في المدينة ، والقتال ، وكل طائفة تؤدى مهمتها . وهناك من العلماء من رأى رأيا آخر ، وأخذ المسألة كلها مكتملة على بعضها ، وقال : إن من بقي مع رسول اللّه له لون آخر من المجاهدة ، ولأنه يأخذ من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم علما جديدا ، يتبادله مع المقاتلين في ساحة القتال بعد أن يعودوا ، فالمقاتلون في ساحة الجهاد يعودون بما يؤكد نصرة اللّه للقلة على الكثرة ، وإمداد اللّه سبحانه للمؤمنين بالملائكة ، وتهدم العدو ، والمعجزات التي رأوها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كنبوع الماء من بين أصابعه في حال قلة المياه عند العطش « 1 » . ثم إنهم يسمعون من المجاهدين الجالسين لتلقى العلم أخبار الوحي والفقه ، وهكذا يتكافأ المؤمنون في المهام ، وكأنهم البنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا . وما تقدم هو فهم للآية إذا كانت خاصة بالجهاد ، فماذا إذا كان للآية موضوع آخر غير الجهاد ؟ نقول : إن الجهاد إعلام بمنهج اللّه في الأرض ،
هامش
( 1 ) قيل لجابر بن عبد اللّه : كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال : كنا ألفا وخمسمائة ، وذكر عطشا أصابهم ، قال : أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بماء في تور ، فوضع يده فيه . فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون ، قال : فشربنا ووسعنا وكفانا ، قال : قلت : كم كنتم ؟ قال : لو كنا مائة ألف كفانا . كنا ألفا وخمسمائة . أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ( 4 / 115 ) .