فالصدق « 1 » هو أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع . أما إذا قلت : إن محمدا قد سافر إلى أمريكا ، وهو لم يسافر ، فهذا يعنى أن النسبة الكلامية لم تتطابق مع النسبة الواقعية وهذا هو الكذب . إذن : فهناك « نسبة ذهنية » و « نسبة كلامية » و « نسبة واقعية » . فإن تطابقت النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية ، فذلك هو الصدق ، وإن لم تتطابق يكون الكذب .
وكل نسبة تقولها تحتمل أن تكون صادقة أو كاذبة ، والفيصل في هذا الأمر هو الواقع ، هل يتطابق ما تقول مع الواقع أم لا ؟ . أما إن قلت لك : « زر فلانا » فهذه نسبة إنشاء ؛ لأن الواقع يأتي بعدها ، لا قبلها .
وهنا يقول الحق سبحانه :
اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
والصدق هو الخلّة « 2 » التي تجمع كل الإيمان ، ولنر التطبيق لذلك في قصة الرجل البدوي الذي ذهب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : يا رسول اللّه ، إن فىّ خلالا ثلاثة لا أقدر على التخلّى عنها أبدا ، أما الأولى فهي النساء ، وأما الثانية فهي الخمر ، وأما الثالثة فهي الكذب ، وقد جئتك يا رسول اللّه ، لتختار لي خصلة « 3 » من الثلاثة وتقوّينى عليها ، وأعاهد ربنا عليها . فاختار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للأعرابى أن يتوب عن الكذب ، وأن يتحلّى بالصدق ، فقال له :
كن صادقا وما عليك . وحين أحب الأعرابي أن يشرب كأس خمر ؛ تساءل : وماذا إن سألني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أشربت الخمر ؟ وامتنع عن الخمر حتى لا يكذب على الرسول . وحين جاء ليختلس النظر إلى امرأة ، قال لنفسه : « وماذا إن سألني صلّى اللّه عليه وسلّم وكيف اخزى نفسي بصفة لا تليق بمسلم ؛ فامتنع عن النظر إلى المحارم ، وهكذا سيطر الصدق على الرجل فهذّب سلوكه . وحين سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيكون المؤمن جبانا ؟ فقال : نعم .
هامش
( 1 ) أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع فهو الصدق ، وإذا خالفت النسبة الكلامية الواقع كان الكذب ، وهذا ما ذهب إليه علماء البلاغة والمنطق .
( 2 ) الخلّة : الصفة والخلق ، جمعها خلال .
( 3 ) الخصلة : الخلّة والصفة . جمعها خصال وخصلات .