تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5563

مساهمون:

ص٥٥٦٣
والحديث هنا فيه رجوع إلى الذين تخلفوا عن الغزوة ، وعرفنا من قبل أنك ساعة تقول : « ما كان لك أن تفعل كذا » أي : أنك تنفى القدرة على الفعل ، أما إن قلت : « ما ينبغي » أي : عندك قدرة على الفعل ، ولا يجب أن تفعله . وهنا يقول الحق :
ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
وبعضهم قد تخلف عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الغزو . ثم يقول سبحانه :
وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ
وهنا حديث عن نوعين من الأنفس : أنفس من قالوا بالتخلف ، ونفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنت إذا قلت : « رغبت » ، معناها : أنك ملت ميلا قلبيا ، فإن قلت : « رغبت في » كان الميل القلبي إلى ممارسة الفعل وفيها التغلغل ، أما إن قلت : « رغبت عن » وفيها التجاوز ، هذا يعنى أن الميل القلبي يهدف إلى الابتعاد عن الفعل . إذن : فحرف الجر هو الذي يحدّد لون الميل القلبي . وقوله الحق :
وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ
أي : أنهم زهدوا في أمر صدر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفضّلوا أمر نفوسهم على أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيبين الحق لهم أنهم ما كان لهم أن يفعلوا ذلك ؛ لأنكم ما دمتم آمنتم بالله ، فإيمانكم لا يكمل حتى يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أحب إليكم من نفوسكم « 1 » . ولذلك نجد سيدنا عمر رضى اللّه عنه لما سمع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه » « 2 » ، فقال : يا رسول اللّه ، أنا أحبك عن أهلي وعن مالي إنما عن نفسي ، فلا .
هامش
( 1 ) عن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا للّه ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار » أخرجه البخاري في صحيحه ( 16 ) ومسلم ( 43 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه ( 6632 ) وأحمد في مسنده ( 4 / 233 ) وفي إسناد أحمد ابن لهيعة ولكن تابعه حيوة عن زهرة بن معبد . وباقي الحديث هنا مروى بالمعنى .