تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5550

مساهمون:

ص٥٥٥٠
والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يحل ما حرم اللّه بل حرم على نفسه ما أحل اللّه له ، وهذا ضد مصلحته ، وكأن الحق يسائله : لماذا ترهق نفسك ؟ . إذن : فهذا عتب لمصلحة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأيضا حين جاء ابن أم مكتوم « 1 » الأعمى يسأل رسول اللّه في أمر من أمور الدين ، وكان ذلك في حضور صناديد قريش « 2 » ، فالتفت صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الصناديد وهم كافرون ، يريد أن يلين قلوبهم ، وترك ابن أم مكتوم ؛ فنزل القول الحق :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى
( 2 ) [ عبس ] وابن أم مكتوم جاء ليستفسر عن أمر إيماني ، ولن يجادل مثلما يجادل صناديد قريش ، فلماذا يختار الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الأمر الصعب الذي يحتاج إلى جهد أكبر ليفعله ؟ . إذن : العتب هنا لصالح محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحين يقول الحق له :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ . .
( 43 ) [ التوبة ] ثم جاء هنا في الآية بالمهاجرين والأنصار معطوفين على رسول اللّه ، وذلك حتى لا يتحرج واحد من المهاجرين أو الأنصار من أن اللّه تاب عليه ، بل التوبة تشمله وتشمل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه ؛ فلا تحرّج « 3 » .
هامش
( 1 ) المشهور أن اسمه عبد اللّه ، ويقال : عمرو . أما أمه أم مكتوم فهي عاتكة بنت عبد اللّه . أسلم قديما بمكة وكان من المهاجرين الأولين . استخلفه رسول اللّه على المدينة 13 مرة أثناء خروجه في الغزوات . ( الإصابة في تمييز الصحابة 4 / 285 ) . ( 2 ) صناديد قريش : عظماؤهم ، وعلية القوم فيهم . وهم هنا : عقبة بن ربيعة والحكم بن هشام ( أبو جهل ) والعباس بن عبد المطلب ، وقد كان يرجو إسلامهم . وقد أتى ابن أم مكتوم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجعل يقول : أرشدنى : وعند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجل من عظماء المشركين . فجعل النبي يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول : « أترى بما أقول بأسا ؟ » فيقول : لا . ففي هذا أنزلتعَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى( 2 ) [ عبس ] أخرجه الترمذي في سننه ( 3331 ) وقال : حديث غريب . وابن حبان ( 1769 - موارد الظمآن ) . ( 3 ) وقد قال بعض العلماء : إنما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في التوبة ؛ لأنه لما كان سبب توبتهم ذكر معهم . نقله القرطبي في تفسيره ( 4 / 3204 ) .