تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5546

مساهمون:

ص٥٥٤٦
وإن رأيت واحدا قد أخذ الملك وهو ظالم « 1 » ، فاعلم أن اللّه قد جاء به ليربى به المملوكين ، وسبحانه لا يربى الأشرار بالأخيار ؛ لأن الأخيار لا يعرفون كيف يربون « 2 » ؛ وقلوبهم تمتلئ بالرحمة ؛ ولذلك يعلمنا سبحانه :
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً . . .
( 129 ) [ الأنعام ] والخيّر لا يدخل المعركة بل يشاهد الصراع من بعيد ، ويجرى كل شئ بعلم اللّه ؛ لأنه سبحانه له ملك السماوات والأرض وهو الذي يحيى ويميت ، فإياك أن تفتن في غير خالقك أبدا ؛ لأن الخلق مهما بلغ من قدرته وطغيانه ، لا يستطيع أن يحمى نفسه من أغيار اللّه في كونه ؛ ولذلك فليأخذ المؤمن من اللّه وليّا له ونصيرا . وبعد أن قال لنا سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يأتي لنا بالأمر الذي يظهر فيه أثر القدرة ، ولا يشاركه فيه غيره ، فقال :
يُحْيِي وَيُمِيتُ .
وقال بعض العلماء في قوله :
يُحْيِي وَيُمِيتُ
أنه سبحانه « يحيى الجماد » ، و « يميت الحيوان » ؛ لأنهم ظنوا أن الحياة هي الحس والحركة التي نراها أمامنا من حركة وكلام وذهاب وإياب ، ونسوا أن الحياة
هامش
( 1 ) عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « . . . إن اللّه عز وجل يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطى الدين إلا لمن أحب » . قطعة من حديث أخرجه أحمد في مسنده ( 1 / 387 ) والحاكم في مستدركه ( 1 / 33 ) ( 2 / 447 ) ( 4 / 165 ) ، وصححه ووافقه الذهبي ، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 228 ) لأحمد وقال : رجاله وثقوا ، وفي بعضهم خلاف . ( 2 ) التربية هنا بمعنى التأديب والزجر ، وهذا ملمح دقيق جدّا ، فالله سبحانه يعلم من قلوب المؤمنين الرحمة والرأفة والرقة والعفو والصفح ، ولذلك عند تطبيق حد الزنا مثلا قال سبحانه :الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( 2 ) [ النور ] .
تفسير الشعراوى — صفحة 5546 | محمد متولي الشعراوي