المنكر فليس معقولا أن تنهى عن شئ أنت مزاول له « 1 » . إذن : فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، صلاح أو هدى متعدّ من النفس إلى الغير ، بعد أن تكون النفس قد استوفت حظها منه .
ويقتضى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أن تعرف المعروف الذي تأمر به ، وأن تعرف المنكر الذي تنهى عنه ؛ لذلك لا بد أن تكون من أهل الاختصاص في معرفة أحكام اللّه ، ومعرفة حدود اللّه حلّا وحرمة ، أما أن يأتي أي إنسان ليدخل نفسه في الأمر ويقول : أنا آمر بمعروف وأنا أنهى عن منكر ، هنا نقول له : لا تجعل الدين ، ولا تجعل التقوى في مرتبة أقل من المهن التي لا بد أن يزاولها أهل فكر ومتخصصون فيها .
ثم يقول سبحانه :
وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ
و « الحدود » جمع « حد » وتأتى الحدود في القرآن على معنيين : المعنى الأول هو المحافظة على الأوامر ، وتلك يردفها الحق بقوله :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها . . .
( 229 ) [ البقرة ]
وكل أمر يقول فيه ذلك هو حد اللّه فلا تتعدّ هذا الحد ، أما المعنى الثاني :
فهو البعد عن المنهيات فلا يقول لك : لا تتعداها ، بل يقول سبحانه :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها . . .
( 187 ) [ البقرة ]
وينهى الحق سبحانه الآية بقوله :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
أي : بشّر هؤلاء
هامش
( 1 ) عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يجاء برجل فيطرح في النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه ، فيطيف به أهل النار فيقولون : أي فلان ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : كنت آمر بالمعروف ولا أفعله ، وأنهى عن المنكر وأفعله » . أخرجه البخاري في صحيحه ( 3267 ) ومسلم بلفظ مقارب ( 2989 )
ويقول الشاعر :لا تنه عن خلق وتأتى مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم