فلن تجد فيها أي شئ عن اليوم الآخر ، بل كلها أمور مادية .
أما في الإنجيل فقد جاءت المسيحية بالرهبنة ، والماديات فيها ضعيفة ؛ ولذلك جاء القرآن منهجا متكاملا تنتظم به الحياة ، قيما حارسة ، ومادة محروسة ؛ فالعالم يفسد حين تأتى المادة فتطغى وتنحسر القيم ، أو حين توجد قيم ليس لها قوة مادية « 1 » تدافع عنها ، فيأبى القوى الظالم إلا أن يطغى بقوته المادية على القيم الروحية فيكون الخلل في البناء الاجتماعي .
إذن : فنحن في حاجة دائمة إلى قيم تحرسها مادة ، ومادة تحرسها قيم .
وأخبر اللّه قوم موسى : أنتم لا تملكون القيم المعنوية ، وتعتزون بالقيم المادية ، لذلك ستأتي أمة محمد وهي تملك قيم الروح والمادة ، فهم ركّع ، سجّد ، يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا ، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود .
وأبلغ سبحانه قوم عيسى عليه السّلام أنه سيأتي في أمة محمد بمنهج يعطيهم ما فقدتموه من المادة ؛ بسبب أنكم انعزلتم عن الحياة وابتدعتم رهبنة ما كتبها اللّه عليكم ، بينما نحن نريد حركة في الحياة . « 2 »
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ
« 3 »
يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ . . .
( 29 ) [ الفتح ]
هامش
( 1 ) جمع الإسلام بين عقل المادة بالتخطيط وعقل الروح بالتهذيب ، ومن هنا يكون الانسجام بين طاقة الروح وطاقة المادة ، وطاقة العقل ، فرسالة الإسلام هي عقل القيم ، يقول الحقشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ . .( 13 ) [ الشورى ]
( 2 ) يقول سبحانه :وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ( 27 ) [ الحديد ] .
( 3 ) شطأه : طرفه . يقال : أشطأ الزرع إذا نبت ونما . آزره : أزر الزرع وتأزّر : قوّى بعضه بعضا . استغلظ فاستوى على سوقه : صار غليظا وقويت واستحكمت نبتته .