تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5507

مساهمون:

ص٥٥٠٧
ميعاد طعامك ولم تأكل فإن جسمك يأخذ ما يحتاجه من الدهون المخزونة به ، وإذا ما انتهى الدهن يأخذ الإنسان من لحمه ، وإذا ما انتهى اللحم يأخذ الإنسان غذاءه من عظامه ، وكل ذلك من أجل أن يبقى السيد وهو « المخ » مصانا . ولذلك تجد القرآن حينما عرض مسألة سيدنا زكريا ، قال على لسانه :
رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي . . .
( 4 ) [ مريم ] أي : أن آخر مخزن للقوت قد قارب على الانتهاء ، أما النبات فهو عكس الإنسان ، فسيد النبات أسفل شئ فيه وهو الجذر ، ويحاول النبات المحافظة على جذره ، فإن امتنع الغذاء عن النبات بامتناع المياه عنه ، بدأت أوراق النبات في الذبول ؛ لأنها تعطى حيويتها ومائيتها للجذر ، ثم تجد الساق تجف لأنها تعطى حياة للجذر ليستمر إلى أن يأتي قليل من المياه أو قليل من الغذاء ، فيعود الجذر قويّا . والقلب هو محل العقائد والاعتقادات ، وهي الأشياء التي تنشأ من المحسّات ، وتتكون في الفؤاد « 1 » لتصير عقائد لا تطفو للمناقشة من جديد ، أما العقل فهو يناقش كل المسائل ، وما إن ينتهى من الاقتناع بفكرة حتى تستقر في القلب . وهنا يوضح لنا اللّه أن هذا البنيان سيظل أثره في قلوبهم ، ولن ينتهى منهم أبدا إلا بشئ واحد هو :
أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ
والقلوب لا تتقطع إلا بالموت ، وكأن الشك من هذا البنيان سيظل يلاحقهم إلى أن يموتوا .
هامش
( 1 ) القلب هو مضخة الدم في شرايين الجسم وعروقه هذا تعريف المادة ، والفؤاد هو عقل القلب وهو محل العقائد الناشئة عن الإدراك ، مصداقا لقوله تعالى :فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها( 46 ) [ الحج ] وقوله :أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها( 24 ) [ محمد ] ويطلق القلب على الفؤاد ، كما يطلق الفؤاد على القلب . فهما متلازمان . كالقلب يصل إلى الاعتقاد بالإدراك ثم يصير الإدراك انفعالا ، وبعد الانفعال يكون الاختيار بمناقشة المسائل ، ثم يكون الاختيار في البدائل وينتهى بالإقناع .