فهم أحرار ، فلله هداية شملت الجميع ، وهي هداية الدلالة ، أما الهداية المنفية هنا فهي هداية المعونة .
ويقول الحق بعد ذلك :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 110 ]
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 110 )
« 1 » البنيان الذي بنوا هو مسجد الضرار ، وأرادوا به ضرارا وكفرا وتفريقا وإرصادا لمن حارب اللّه ورسوله ، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد وعدهم أن يصلى فيه ، وكشف له الحق أنهم أرادوا بصلاة رسول اللّه فيه ذريعة « 2 » وأن يرسموا الصلاة فيه .
ولما عاد صلّى اللّه عليه وسلّم من غزوة تبوك أنزل اللّه عليه :
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً
وأرسل صلّى اللّه عليه وسلّم بعضا من صحابته « 3 » ليهدموا هذا المسجد ، ولم يكتف بالهدم ، بل أمر أن يجعل مكان المسجد قمامة إشعارا منه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن المسجد بنيته الأولى كانت نجاسته نجاسة معنوية ، وحين توضع فيه النجاسة الحسّية ، تكون طهارة بالنسبة للنجاسة المعنوية ، فكأنه طهر المكان من النجاسة المعنوية بالنجاسة الحسيّة .
ورسول اللّه يعلمنا هنا أن الأمر ليس أمر نجاسات حسيّة ، وإنما النجاسات المعنوية أفظع من النجاسات الحسيّة ، فالإنسان قد يتحرز من
هامش
( 1 ) ريبة : شكا ونفاقا في قلوبهم .
( 2 ) ذريعة : أي وسيلة وتوصلا لهدف معين .
( 3 ) منهم : مالك بن الدخشم ومعن بن عدي . أما مالك فقد شهد بدرا . وأما معن بن عدي بن الجد حليف الأنصار فقد شهد غزوة أحد . ( انظر الإصابة في تمييز الصحابة ) .