خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
والصدقة تطهرهم ؛ لأن الذنب الذي فعلوه واعترفوا به تسبّب في تقذير أنفسهم بالمعصية ، وما داموا قد قذروا أنفسهم بالمعصية « 1 » ، فهم في حاجة أن يطهّروا بالمال الذي كان سببا في عدم ذهابهم إلى الغزوة .
وانظر هنا إلى ملحظ « الأداء البياني » في القرآن ، فالحق سبحانه يقول :
خُذْ
وهو أمر للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويقول :
مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
من أموال الأغنياء ، هذه الصدقة ستذهب للمحتاج ، إذن هنا أربعة عناصر : آخذ هو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومأخوذ منه هو صاحب المال ، ومأخوذ هو المال ، ومأخوذ له هو الفقير المحتاج .
وما دام الأمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهذا الأمر ينسحب بالتالي على كل من ولى أمرا من أمور المسلمين . ولقائل أن يقول : ولكنها صدقة وليست زكاة . ونقول : ما دام اللّه هو الذي أمر بها تطهيرا فقد صارت واجبا ، والآية صريحة ، وتقتضى أنه ما دامت هناك ولاية شرعية ، فولى الأمر هو الذي يأخذ من الناس ويؤدى للفقراء ، أو لأوجه الصرف التي شرعها اللّه « 2 » ؛ لأن اللّه لا يريد أن يعذب الفقير بأن يمد يده آخذا من مساوله ، أما إن أخذ من الوالي وهو المسؤول عن الفقراء ، فلن يكون عيبا ، كما أن
هامش
( 1 ) أي : جعلوا أنفسهم محلا للّوم والتقبيح . وقد أخرج الإمام مالك في موطئه ( ص 825 ) من حديث زيد بن أسلم مرسلا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود اللّه ، من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر اللّه . فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب اللّه » .
( 2 ) ومصارف الزكاة قد بينها سبحانه في قوله :إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( 60 ) [ التوبة ] ، وقد سبقت خواطر فضيلة الشيخ وإلهاماته عند تفسير الآية . ولولى الأمر الذي يطبق شرع اللّه أن يأخذ من أموال المسلمين لإقامة صرح العدالة في المجتمع مصداقا لمفهوم الآيات .