لقد ذكر سبحانه هنا الحق ولم يقل إنه معلوم ؛ لأن صاحب المال داخل في مقام الإحسان « 1 » ، وهو المقام الذي يلزم الإنسان فيه نفسه بشئ فوق ما فرض اللّه من جنس ما فرض اللّه . واللّه سبحانه لم يفرض على الإنسان أن يقوم الليل كله ، أو يظل الليل يستغفر ، بل إن المسلم له أن يصلى العشاء وينام ، ثم يقوم لصلاة الفجر . لكن إن وجد في نفسه نشاطا ، فهو يقوم الليل ؛ لأنه يريد أن يدخل في مرتبة الإحسان .
وكذلك يؤدى المسلم الزكاة وهذا حق معلوم ، أما إن رغب المسلم في أن يدخل في مقام الإحسان فهو يزيد على الزكاة ، وقد جعل اللّه هذا حقّا لكنه غير معلوم ؛ ليفسح لأريحيات الكرام أن يتجاوزوا الحق المعلوم ، فبدلا من اثنين ونصف بالمائة ، قد يجعلها الداخل إلى مقام الإحسان ضعف ذلك أو أكثر .
ووقف العلماء رضى اللّه عنهم هنا وقالوا : إن قوله الحق :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ
لا يعنى اعتبار الجزء المأخوذ من المال للفقير هو حق الفقير ، بل هو مال المؤدى ، ولو بيّن اللّه حق الفقير وعزله عن مال صاحبه ، فهذا يعنى أن المال إن هلك فليس للفقير شئ ، ولكن لأن المال مال الغنى فحق الفقير محفوظ في ذمة صاحب المال ، وهذا أفضل للفقير ، فإن الغنى لو لم يؤد الزكاة في ساعتها ، وبعد ذلك حدث أن هلك المال ، فالغنى ضامن لحق الفقير .
هامش
( 1 ) حسن الشئ صار حسنا جميلا قال تعالى :وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً( 69 ) [ النساء ] - أي : صار رفيقا حسنا - « وأحسن » أفعل تفضيل ، مؤنثه « الحسنى » قال الحق :الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ( 18 ) [ الزمر ] - وقال :وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى( 95 ) [ النساء ] - أي : المنزلة التي هي أحسن المنازل ، والإحسان هو الكرم المخلص والعطاء الخالص ، والإحسان إلى الوالدين إكرامها - وهو أعلى مقامات القرب إلى اللّه .