يقر الذنب في صفاقة ، مثلما تقول لواحد : هل ضربت فلانا ؟ فيقول :
نعم ضربته ، أي أنه اعترف بذنبه ، وقد يضيف : وسأضرب من يدافع عنه أيضا ، وهذا اعتراف فيه صفاقة .
أما من يعترف اعتراف إفاقة ، فهو يقر بأنه ارتكب الذنب ويطلب الصفح عنه ، وهذا هو الاعتراف المقبول عند اللّه . وهم قد
اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ
اعتراف إفاقة ، بدليل أن اللّه قال فيهم :
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
وعملهم الصالح هنا هو إقرارهم بالذنب ومعرفتهم أن فضيحة الدنيا أهون من فضيحة الآخرة ، أما عملهم السئ فهو التخلف عن الجهاد والإنفاق .
واعترافهم هذا هو اعتراف الإفاقة ، واختلف العلماء : هل هذا الاعتراف يعتبر توبة أم لا ؟
نقول : إن الحق سبحانه وتعالى حينما قال :
اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
ثم قوله :
عَسَى
« 1 »
اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : رجاء أن يتوب عليهم ، وهذه مقدمات توبة وليست توبة ، فإن صاحبها الندم على ما مضى ، والإصرار على عدم العودة في المستقبل فينظر هل هذا كان منه مخافة أن يفضح أم موافقة لمنهج اللّه « 2 » ؟
إن كان الأمر موافقة لمنهج اللّه فتكون التوبة مرجوّة لهم .
وكلمة
خَلَطُوا
تؤدى معنى جمع شيئين كانا متفرقين ، وجمع الشيئين أو الأشياء التي كانت متفرقة له صورتان ؛ الصورة الأولى : أن يجمعهم
هامش
( 1 ) عسى فعل جامد دال على الترجى ، وإذا أسند الفعل إلى اللّه تعالى فمعناه أنه وعد بنفاذ الأمر المرجو أنه نافذ حتما ، وعسى من أفعال الرجاء وتستعمل على أوجه أكثرها وجهان : الأول : أن يذكر بعدها اسم ظاهر ، والوجه الثاني : أن يذكر بعدها المصدر الموؤل .
( 2 ) فإن كان موافقا لمنهج اللّه كان القبول من اللّه .