أو أن يكون العذاب في الدنيا هو ما يرونه حين تغرغر النفس ، لحظة أن تبلغ الروح الحلقوم ، ويرى المغرغر الملائكة مصداقا لقوله الحق :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
( 50 ) [ الأنفال ]
وكل هذه ألوان من العذاب في الدنيا .
والإنسان - كما نعلم - في استقبال الزمن له ثلاث حالات : زمن هو حياته الدنيا ، وزمن هو زمن موته ، وزمن هو زمن آخرته . فحين يصاب المؤمن في الزمن الأول - زمن حياته - يعزّيه في مصابه الزمن الأخير ، وهو زمن آخرته .
أما حين يصاب الكافر أو المنافق في زمن حياته ، فلا شئ يعزيه أبدا ؛ لأنه لا يؤمن بالله ولا هو يطمع في شئ من خيره سبحانه .
ويأتيه الزمن الثاني ، وهو زمن الموت ، وفيه عذاب القبر .
والعذاب إنما يكون بأحد اثنين : إما عرض ما يعذب به ، أو دخول فيما يعذب به ، وهذا يكون في الآخرة . أما عرض العذاب فهو في القبر « 1 » كأنه يقول لك : انظر ما ينتظرك « 2 » . وما دام الإنسان يرى الشر الذي
هامش
( 1 ) وذلك من نحو قوله سبحانه :وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ( 46 ) [ غافر ] قال ابن كثير في تفسيره ( 4 / 81 ) :
« دلت الآية على عرض الأرواح على النار غدوا وعشيا في البرزخ ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور ، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح ، فأما حصول ذلك للجسد في البرزخ وتألمه بسببه فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية » .
( 2 ) عن ابن عمر قال : قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه عز وجل إليه يوم القيامة » . أخرجه البخاري في صحيحه ( 1379 ) ومسلم في صحيحه ( 2866 ) . واللفظ لمسلم .