على هيئة الافتراق ، كأن تأتى بالأشياء التي لا تمتزج ببعضها مثل : الحمص واللب والفول ، وتخلط بعضها ببعض في وعاء واحد ، لكن يظل كل منها على هيئة الانفصال ، فأنت لم تدخل حبة اللب في حبة الحمص ، ولم يتكون منهما شئ واحد ؛ لأنه لو حدث هذا لصار مزيجا لا خلطا ، مثلما تخلط الشاى باللبن ؛ لأنك بعد أن تجمعهما يصيران شيئا واحدا ، بحيث لا تستطيع أن تفصل هذا عن ذاك .
إذن : فهم حين خلطوا العمل الصالح والعمل السّيّئ ، لم يجعلوا من العمل الصالح والعمل السّيّئ مزيجا واحدا . لكن العمل الصالح ظل صالحا ، والعمل الفاسد ظل فاسدا .
وقوله سبحانه :
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
كلمة
عَسَى
معناها الرجاء « 1 » وهو ترجيح حصول الخير . وهو لون من توقع حصول شئ محبوب . والرجاء يخالف التمني ؛ لأن التمني هو أن تحب شيئا وتتمنى أن يكون موجودا ، لكنه لا يأتي أبدا ، مثل قول الشاعر :
ألا ليت الشّباب يعود يوما * فأخبره بما فعل المشيب
إنه قد تمنى أن يعود شبابه ، وهذا دليل على أن فترة الشباب محبوبة ، لكن ذلك لا يحدث . إذن : فإظهار الشئ المحبوب له لونان : لون يتأتى ، ولون لا يتأتى ، فالذي يتأتى اسمه ( رجاء ) ، والذي لا يتأتى نسميه ( التمني ) ، مثل قول الشاعر :
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها * عقود مدح فما أرضى لكم كلما
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسيره ( 4 / 3169 ) : « هذه الآية وإن كانت نزلت في أعراب فهي عامة إلى يوم القيامة فيمن له أعمال صالحة وسيئة » . وقال ابن كثير ( 2 / 385 ) : « هذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين » - والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .