التي تقتضى لين الجانب وحسن التعامل ؛ لذلك يقال عن كل واحد منهم « مستوحش » أي : ليس له ألفة بمكان أو جيران أو قانون عام .
أما الذي يحيا في القرية ويتوطنها فله جيران ، وله قانون يحكمه ، وله إلف بالمكان ، وإلف بالمكين ، ويتعاون مع غيره ، ويتطبع بسكان القرية ويألفهم ويألفونه ومع الإلف والائتلاف يكون اللين في التعامل ، عكس من يحيا في البادية ، فهو يمتلئ بالقسوة ، والفظاظة ، والشراسة ؛ لأن بيئته نضحت عليه « 1 » والوحدة عزلته .
فإذا سمعت « أعراب » فاعلم أنهم سكان البادية المشهورون بالغلظة ؛ لأنه لا يوجد لهم تجمع يوحى لهم بلطف سلوك ، وأدب تعامل ، وكلمة « الأعراب » مفردها « أعرابىّ » . وهناك أشياء الفرق بين مفردها وجمعها التاء ، مثل « عنب » و « عنبة » هي المفرد ، وقد يفرق بين الجمع والمفرد « ياء » مثل « روم » والمفرد « رومى » .
ف « أعراب » - إذن - هي جمع « أعرابي » وليست جمع عرب .
وهؤلاء مقسومون قسمين : قسم له إلف بالحضر ؛ لأن كل أهل حضر قد يكون لهم بادية يلجأون إليها ، أي أن الأعرابي حين يذهب إلى البادية فهو ينزل ضيفا عليهم ، ويسمون « المعارف » ، وكل واحد في البادية قد يكون له واحد في الحضر ، إذا اضطر للذهاب للمدينة أو للقرية فهو ينزل عنده .
وهناك قسم آخر لا بادية لهم ولا حاضرة .
وبعد أن تكلم الحق عن العرب ونفاقهم ، يتكلم هنا عن الأعراب فيقول :
هامش
( 1 ) ومن أمثلة غلظتهم أن أبا هريرة قال : قبّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا ، فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا . فنظر إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « من لا يرحم لا يرحم » . أخرجه البخاري في صحيحه ( 5997 ) ومسلم في صحيحه أيضا ( 2318 ) .