الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
ولماذا هم أشد كفرا ونفاقا ؟ لأنهم بعيدون عن مواطن العلم والدعوة « 1 » ، وعندهم غلظة ، وعندهم جفاء ، وقوله سبحانه :
وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ
يعنى : أحق ألّا يعلموا حدود ما أنزل اللّه « 2 » ؛ لأن عرفان حدود ما أنزل اللّه من الأوامر والنواهي ، والحلال والحرام ، يأتي من التواصل مع العلم ، وهذا لا يتأتّى بالتنقل من مكان إلى آخر ، بل لا بد من الاستقرار . والعلم - كما نعرف - ألا تغيب عن العالم قضية من قضايا الكون ؛ وكل واحد منا يعلم علما على قدر تجربته ومراسه في الحياة ، وعلى قدر جلوسه إلى العلماء ، لكن اللّه وحده يعلم علم الجميع .
والعلم عند البشر قد يوظّف ، وقد لا يوظّف ، وكثير من الناس عندهم العلم لكنهم لا يوظّفونه ، ومن لا يوظّف علمه يصير علمه حجة عليه .
أما من يوظّف علمه ، ويضع الأمر في محله ، والنهى في محله ، والحلال في محله ، والحرام في محله ، والمشتبه يضع له حكما مناسبا ، فهو يوصف بالحكيم ؛ لأنه وضع كل شئ في محله .
هامش
( 1 ) قد يقول قائل : كيف هذا ونحن نستشهد بأشعارهم ولغاتهم ، وعلماء اللغة من الأصمعي وغيره كانوا يجوبون قبائل الأعراب لتعرف لغاتهم . يقول أبو يحيى الأنصاري في فتح الرحمن ص ( 172 ) : « وصفهم بالجهل إنما هو في أحكام القرآن ، لا في ألفاظه ، ونحن لا نحتج بلغتهم في بيان الأحكام ، بل في بيان معاني الألفاظ ؛ لأن القرآن والسنة جاءا بلغتهم » .
( 2 ) ومن طريف ما يروى في هذا عن إبراهيم النخعي قال : جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه ، وكانت يده قد أصيبت يوم « نهاوند » فقال الأعرابي : واللّه إن حديثك ليعجبني ، وإن يدك لتريبنى . فقال زيد : ما يريبك من يدي إنها الشمال ؛ فقال الأعرابي : واللّه ما أدرى اليمين يقطعون أو الشمال . فقال زيد بن صوحان : صدق اللّه ورسولهالْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ[ التوبة : 97 ]