تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 5425

مساهمون:

ص٥٤٢٥
والغيب - كما نعرف - هو ما غاب عنك ، فلم تعرف عنه شيئا . ولكن إن غاب عنك ولم يغب عن غيرك فهو غيب نسبى ؛ لأن هناك حجبا منعت عنك العلم ، والمثال : إن سرق منك شئ فأنت لا تعرف السارق ؛ ولكن السارق نفسه يعرف ، ومن شاركه يعرف . والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف . والذي ابتاع المسروقات يعرف . إذن : فهو غيب عنك وليس غيبا على غيرك . أما الغيب المطلق فهو ما غاب عنك وعن غيرك ، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدّعون قراءة الأفكار ، ويسمونهم المنوّمين المغناطيسيين ، ويطلب المنوّم من أي واحد أن يخرج ما في جيبه من نقود وأن يقوم بعدّها ، ثم يخبره بعددها ، وإن أردت أن تكشف ألاعيبه ؛ ضع يدك في جيبك وأخرج كمية من النقود لا تعرف أنت مقدارها ، واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف ، لماذا ؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد يعرفه غيرك إلى غيب مطلق . إذن : فالغيب « 1 » المطلق هو ما غاب عنك عن غيرك ، وهو أيضا ما لا تكون له مقدمات توصلك إليه ، فأنت إذا أعطيت ابنك تمرينا هندسيّا ليحله ؛ فالحل غيب عنه ساعة يقرأ المسألة ، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى الحل ، فكأن هناك أشياء لها مقدمات توصل إلى النتائج ، وهذه ليست غيبا ؛ لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء والذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما الغيب . فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين الموجودة بالفعل ، لكنّنا لم نكن نعرفها .
هامش
( 1 ) الغيب : مصدر ويسمى به ما غاب واستتر . قال تعالى :الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ( 3 ) [ البقرة ] . والغيب : هو ما غاب عن العيون كالجنة والنار والملائكة والجن ، وجمعه : غيوب قال تعالى :إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ( 109 ) [ المائدة ] وهذا هو الغيب المطلق . أما الغيب النسبي : فهو الذي يغيب عنك ولم يغب عن غيرك ، وقد تعرفه عند الإذن بميلاده .