قبل أن ينطقوه ، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم ، ولدخلوا في الإيمان ، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس ، فجاء الحق سبحانه وتعالى بالأمر واضحا في قوله سبحانه :
قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ
فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج ، ولكنها وحى من اللّه .
ثم يقول الحق تبارك وتعالى :
وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ .
ما هو العمل الذي سيراه اللّه سبحانه وتعالى ورسوله ، بعد أن رفض رسول اللّه عذرهم ، وأخبرهم بأن اللّه قد أخبره بما يخفونه من كذب في صدورهم ؟ فسبحانه العالم بالسرائر كلها ، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب المرجع إليه ، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا تخفى عليه حتى نواياهم . ومادمتم قد علمتم صدق محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في كل ما أبلغكم به ، أصبح عليكم - إذن - أن ترجعوا وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان ؛ وتراكم الدنيا من بعد ذلك وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان ، أما إن أصررتم على ما أنتم فيه ؛ فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ اللّه فيها رسوله بكذبكم .
إذن : فقد فتح اللّه باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه ، فانتهزوا هذه الفرصة ؛ لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل ، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم .
ولذلك يقول الحق سبحانه :
ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ
« 1 »
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 94 ) [ التوبة ]
وما دام سبحانه عالم الغيب ، فمن باب أولى أنه عليم بعالم الشهادة .
هامش
( 1 ) الأنباء : الأخبار الهامة . قال الحق :لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ( 67 ) [ الأنعام ] - وأنبأه بالشئ ونبأه به :
أخبره ، وذكر له قصته .